يبدو أن المتنفذين من أهل الغرب لم ينسوا تاريخهم المجيد المفعم بالنضال في سبيل فصل الدين واللاهوت عن الدولة والسياسة فحسب، بل يبدو أنهم باتوا أشد تطرفاً من أصحاب النيافة والجلالة، الذين سادوا في القارة العجوز في القرون الوسطى.
صحيح أن الدولة الغربية تبدو في الظاهر مستقلة عن التعاليم الدينية وتشعباتها، إلا أن هذه الاستقلالية تفقد صفاتها المميزة حين صدور قرارات لها حد القانون تحظر الشك والتشكيك بما بات يعرف بالمحرقة اليهودية، ليس على الصعيد الوطني في كل بلد غربي على حدة فحسب، بل على صعيد الهيئة العالمية الأرفع التي يفترض بها تمثيل البشرية جمعاء، ألا وهي منظمة الأمم المتحدة، التي أصدرت قراراً مماثلاً يحرم المساس «بالحقيقة التاريخية» للمحرقة.
إذا كان العلم بالنسبة لهذا الغرب هو الوسيلة والمنتهى، اللذان حلا محل الميتافيزيقيا و«خزعبلات» ما وراء الطبيعة، فبالعلم أيضاً تثبت الحقائق أو تفند الإدعاءات وبالتالي فإن المؤتمر العالمي المزمع عقده في العاصمة الإيرانية طهران في شهر ديسمبر المقبل حول حقيقة المحرقة اليهودية لا بد وأن يتم التعامل معه ومن جميع الأطراف المؤيدة والمعارضة على السواء بالصورة التي تليق بالعلم وأهله.
ومن بين أهل هذه الخصال خير من علماء الغرب عموماً وعلماء التاريخ منهم على وجه الخصوص ومن أجدر منهم على المساهمة بعلمهم في ذلك المؤتمر الاستثنائي؟
ومن بوسعه الادعاء بأن القضايا الدنيوية ترقى إلى مستوى المحرمات، في حين تنتهك النصوص والكتب السماوية المقدسة على يد معتنقي مذهب المحرمات وعدم تدنيسها بهرطقات بشرية هنا وانتهاك لحرماتها هناك؟ ولماذا لا توضع كل المعطيات، لا سيما وأنها معطيات دنيوية لا ترقى افتراضاً إلى مستوى القداسة، على طاولة البحث العلمي إمعانا في انتشالها من قبضة الساسة وأصحاب الأيديولوجيات والأحكام المسبقة في كلا الجانيين المتصارعين حولها، الموالين منهم والرافضين على حد سواء.
وإذا كان «عتاولة» الحركة الصهيونية، التي تدعي حرصا لا محل له من الإعراب في الدفاع عن يهود العالم وقضيتهم، والتي لا أحد يستطيع إنكار تاريخيتها، لكنها تاريخية ترتبط بجغرافيا أخرى غير هذه الجغرافيا الفلسطينية، التي انتهكت شعباً وأرضاً لإيجاد مخرج لأزمة غريبة عن الوطن العربي والمنطقة عموما.. أزمة تخص الغرب والغرب وحده، وتناقضاته الرأسمالية خلال القرون الثلاثة الأخيرة من الألفية الماضية..
إذا كان هؤلاء «الغيورون» على مصالح اليهود حريصين على تثبيت حقيقة المحرقة النازية، فليس لديهم فرصة أفضل من انعقاد هذا المؤتمر ولو على أرض إيران «المعادية».
هي دعوة أولا لمنظمي المؤتمر لا تقتصر دعوات المشاركة فيه على أهل العلم في الجانب الموالي لهم، وهي دعوة كذلك للذين يقفون في الصف الآخر ويرفضون مجرد طرح موضوع المحرقة اليهودية على مائدة الحوار، مثلما هي دعوة للمنادين بحوار الحضارات حول العالم للمشاركة في المؤتمر عينه، وإذا كان كل هؤلاء حقاً من عشاق الألوان وتعددها فما عليهم سوى الحيلولة دون أن يظل هذا المؤتمر في دائرة اللون الواحد، الذي يفترض أن أحدا عاقلا لا يود الحكم عليه وعلى نتائجه بشكل مسبق.
فلتوضع كل الأوراق على مائدة البحث العلمي والنقاش الجاد والحوار الحضاري وصولا إلى حقيقة وحيدة مشتركة يتبناها الجميع كما هي، لأنها ستكون في هذه الحالة وليدة عملية بعيدة كل البعد عن الأيديولوجيات والدعاية المغرضة ومحاولات استغلال الوقائع التاريخية وتضخيمها أو التقليل من شأنها وفق اللحظة السياسية السائدة ومصالحها الضيقة.
اعتماداً على القول المأثور «لا يفل الحديد إلا الحديد» وافترضا بأن هذا القول جدير بالتقدير ويعكس منهجاً صحيحاً في مقاربة الظواهر الاجتماعية والطبيعية، فإن مؤتمر طهران يمثل اللحظة الأنسب للأخذ بتلك المقولة وتطبيقها على هذا الصعيد المشكوك فيه. وليعطى العلم من خلال العلماء والعلماء فقط، الفرصة ليقول كلمته في قضية ليست كأي قضية إنسانية أخرى.
قضية ولدت مأساة أخرى تخص شعباً آخر لا علاقة له، لا من قريب أو بعيد، بكل ما كان يموج به مجتمع الغرب في تاريخه الغابر. تلك القضية يطلق عليها «القضية الفلسطينية».