كيف للإنسان أن يواجه أو يتعامل مع حقيقة هويته الجسدية، خاصة عندما تكون هذه الهوية محل مساءلة وشك، أو عندما تصنف هذه الهوية من قبل الآخرين كوصمة تدين كل من يحملها بدون تمييز أو استثناء؟ كيف للإنسان أن يواجه حقيقة هويته الجسدية عندما يسم الآخر هذه الهوية بسمة قاتلة ممكن أن تعرض صاحبها ليس فقط للمساءلة القانونية، ولكن أيضا للتعذيب أو الاهانة أو حتى القتل، في بعض الظروف؟

كيف لنا أن نواجه أو نتعامل كعرب أو كمسلمين مع هويتنا الجسدية، والتي أصبحت في نظر الغرب تصنف على أنها هوية الإرهابيين والقتلة، وعلى أن كل من يحملها هو مجرم أو إرهابي، بالفطرة وبدون استثناء.

إن الحجز والإهانة التي تعرض لهما مواطننا الشعالي هو وأسرته في أحد المطارات الأميركية، ليس بسبب أية تهمة غير هويته الجسدية، والتي عانى فيها هو وأسرته، بمن فيهم الأطفال معاناة شديدة تراوحت ما بين التحقيق المطول معه وترك زوجته وأطفاله في غرفة كئيبة ومليئة بالفئران دون إعطائهم حتى جرعة ماء، ثم الحادث الذي تعرض له أحد المواطنين العرب في مطار آخر من مطارات أميركا، لمجرد أنه كان يلبس قميصا عليه كتابة بالحروف العربية، والإهانة الأخيرة التي تعرض لها مواطننا نادر العولقي في مطار هيثرو.

وهو متجه مع أسرته للولايات المتحدة لإكمال دراسته للدكتوراه، كل هذه الأمور تضعنا أمام مواجهة التفكير في كل الأسئلة التي طرحتها آنفا، وتجعلنا نتساءل كيف يمكن أن يختصر الإنسان في هويته الجسدية، ويتم التغافل عن هوياته الأخرى؟ كيف يمكن أن يكون الإنسان متهما، فقط لأنه يحمل ملامح معينة؟

وكيف يمكن أن يكون إنسان آخر يحمل فكرا إرهابيا وإجراميا يعامل باحترام وبشكل متحضر، فقط لأن ملامحه أو هويته الجسدية غير عربية أو إسلامية! كيف يمكن أن تختصر عقيدة شمولية ومتكاملة في خانة واحدة، والتي هي خانة «الجهاد» والمصنف غربيا على أنه إرهاب، بالرغم من أن الجهاد قد يكون حاصلا لأسباب نبيلة وسامية؟

يحق لنا أن نتساءل هنا، لماذا هذا التركيز المستمر، خاصة في الولايات المتحدة، على إظهار صورة العرب والمسلمين على أنهم إرهابيين؟ ولماذا لا يذكر الخطاب الغربي إسهامات هذه الشعوب العلمية والإنسانية؟ وهل، بالمقابل إظهار مثل هذه الإسهامات ستجعلهم يبدون كبشر عاديين ويمارسون حياة عادية، وهذه صورة غير مرغوب إظهارها عنهم!

لماذا يردد الإعلام المعولم ويذكر دائما أن العرب والمسلمين هم من قاموا بضرب أبراج نيويورك، ولا يذكر هذا الإعلام أن من صمم وخطط لبناء هذه الأبراج هو مهندس مسلم يدعى فضل الرحمن خان! لماذا هذه النظرة الأحادية الضيقة التي تختصر كل عربي ومسلم في هويتهم الدينية «بشكلها المتطرف» وتلغي كل هوياتهم الأخرى؟

إن هذه النظرة الأحادية للعرب والمسلمين ليست نظرة اعتباطية أو عشوائية أوجدتها الظروف والحوادث، إنما هي محاولة لتعزيز وتكثيف صورة العربي المسلم السلبية التي يعمل على ترويجها الخطاب الغربي والأميركي بالتحديد، منذ زمن طويل، امتدادا من أفلام المغامرات الهوليودية وحتى رسوم الأطفال المتحركة، فهل ننسى من هو الطرف السيئ ومرتكب الأفعال الإجرامية، مختطف النساء في كرتون بوباي آكل السبانخ! انه الرجل ذو اللحية السوداء ذو الملامح العربية!!

إن اختصار العربي والمسلم في هوية المتطرف الإرهابي، والتغذية المستمرة لهذه الصورة عبر مختلف الوسائل التكنولوجية الحديثة، مسألة مدروسة منذ زمن ومقصودة لتبرير كل فعل عنيف أو انتهاك لحقوق أفراد أو دول المنطقة العربية، وحتى المناطق الإسلامية .

فخلال السنوات القليلة الماضية شنت حرب ضروس ضد كل من أفغانستان والعراق، وقتل فيهما ومازال يقتل الآلاف من البشر الأبرياء الذين صنفوا، لكونهم مسلمين ويعيشون على تلك البقعة من الأرض، على أنهم إرهابيون ويستحقون الدمار والموت، بشر لم يفكر قاتلوهم في أنهم، إضافة إلى أنهم مسلمين قد تكون لهم هويات أخرى، بشر قد يكونوا أباء حنونين أو فنانين أو موسيقيين، أو مخترعين أو علماء، أو أنهم أي شيء آخر غير كونهم إرهابيين .

إن هذه الهوية الأحادية المختصرة التي يعمل الساسة الأميركيون، وبعض الساسة الغربيين على إلصاقها بكل مسلم وعربي، هي هوية مصنوعة في مصانعهم الخاصة وبمواد من إنتاجهم، هي سلعة أمريكية الصنع بدون أية تدخل أو إضافات خارجية، وأنها خرجت ليس فقط من هوليوود، بل خرجت أيضا من مصانع أميركا الأكاديمية العريقة، وعلى يد أكاديميين، من أمثال هنتنجتون وغيره .

صناعة محبوكة، لعبت تكنولوجيا الاتصال الحديثة في تسويقها بشكل مخطط ومدروس، وذلك حتى تصبح السيطرة على موارد هذه الشعوب وثرواتها والاعتداء والقتل لمن يعارض من مواطنيها أمرا مشروعا ومقبولا .

إن ربط العرب والمسلمين بهوية واحدة، والمتمثلة في هوية القتلة والإرهابيين، لا تحتوي فقط على نظرة سطحية وساذجة ومختصرة لمن يحمل ملامح جسدية عربية وإسلامية، ولكنها أيضا تغذي وتبرر ممارسة العنف والإرهاب ضدهم، كما تغذي مشروع السيطرة والهيمنة على مواردهم، والتي كما يدعي الغرب أن العرب قد يستخدمونها لأهداف إرهابية.