بعد عدوان تموز ـ آب على لبنان، واندحار «إسرائيل» أمام رجال المقاومة الوطنية اللبنانية بهذا الشكل المهين وغير المحسوب، شهدت وتشهد المنطقة تحركات سياسية وأمنية متسارعة ومكثفة تجاه الوضع اللبناني، الهدف الأول والأخير منها الحفاظ على أمن «إسرائيل»، وراحة الإسرائيليين، وإبعاد أي مكروه عنهم.

أمّا السلام العادل، وهو العامل الذي لا بدّ منه لتوفير الاستقرار للمنطقة، ولـ«إسرائيل» فيها أيضاً، فالحديث عنه لا يزال هامشياً، ويفتقر إلى الحد الأدنى من الجدية. ‏

الإدارة الأميركية، وهي إدارة ليكودية مغامرة، تزج بكل طاقاتها دعماً لـ«إسرائيل»، وتجند حلفاءها لهذه الغاية دون القبول بأي أعذار، وتعلن أن «إسرائيل» أولاً، وأن لا مجال للمقارنات. ‏

والأوروبيون السائرون وراء إدارة بوش يروحون إلى المنطقة ويجيئون دون كلل، ولا يتوقفون عن التشاور فيما بينهم ومع أطراف أخرى، ولكن بعد الحصول على موافقة الطرف الإسرائيلي طبعاً، فالموافقة الإسرائيلية المسبقة أساسية هنا ولا يمكن الاستغناء عنها. ‏

أما حلفاء أميركا في المنطقة من العرب وغير العرب فلتحركاتهم في هذا الاتجاه شأن خاص جداً شكلاً ومضموناً، وهي تحركات تحمل من الغباء السياسي والاستفزاز الأرعن ما يكفي لمجرد ذكرها أو تدوينها على الورق. ‏

بهذه العقلية، للأسف الشديد، يتم التعامل مع «إسرائيل» على الرغم من قناعة الجميع أنها قوة احتلالية، معتدية، وإرهابية، أمّا السلام وحقوق الآخرين فتأتي في المراتب النهائية والحديث فيها يتطلب موافقة إسرائيلية. ‏

ومع ذلك لا بدّ من الإشارة هنا إلى أن الهزيمة الإسرائيلية الأخيرة في لبنان أمام المقاومة الوطنية اللبنانية، قلبت معادلة الصراع العربي ـ الإسرائيلي رأساً على عقب، وفرضت وقائع جديدة لا يمكن تجاهلها بأي شكل من الأشكال، ومن ثمّ فقد أكدت المقاومة الوطنية اللبنانية بما لا يدع مجالاً للشك أن «إسرائيل» ليست كلية القدرة، وأن هزيمتها لا تحتاج إلا إلى الإرادة والتصميم على انتزاع النصر واستعادة الحقوق. ‏

وليس من المبالغة القول: إن هذه الهزيمة الإسرائيلية كانت وراء تلك التحركات الأميركية والأوروبية تجاه «إسرائيل»، ومن أجلها، فالإدارة الأميركية الحالية الليكودية تريد محو أثر هذه الهزيمة بأقصى سرعة ممكنة، ومن ثمّ محاصرة عوامل القوة العربية ممثلة بالمقاومات الوطنية، من كل الجهات وبمختلف الأشكال، مستخدمة سلاح القوة القطبية الأحادية في عالم اليوم، بما يمثله من سطوة، وانحياز مطلق لـ«إسرائيل» وخروج على الشرعية الدولية، وانجراف نحو محاربة الآخرين. ‏

وبينما الأوروبيون يشيرون إلى السلام في المنطقة وضرورات إقامته من خلال تحركاتهم، فإن الأميركيين لا يخفون رفضهم لهذا السلام العادل، وهذا وحده يكفي ليس للإبقاء على الصراع العربي ـ الإسرائيلي فحسب بل ولإشعال المنطقة كل لحظة، فهل تأخذ إدارة بوش ذلك في نظر الاعتبار؟. ‏