بعد فترة طويلة من التوتر والتصعيد، سواء السياسي والاعلامي للخلافات او لأعمال العنف والمواجهات المسلحة التي انتهت بالعدوان الاسرائيلي الغاشم على لبنان الشقيق، يبدو أن كل الاطراف المعنية، من داخل المنطقة وخارجها تميل وترغب في فترة من الهدوء النسبي.
ليس فقط لالتقاط الانفاس وإعادة الحسابات التي احترقت في لهيب المعارك على الساحة اللبنانية، ولكن ايضا لليقين المتزايد من جانب اكثر من طرف اقليمي ودولي بأن خيار القوة المفرطة لم يستطع تحقيق او خدمة الاهداف المنشودة، وانه من المهم الآن ان تتم إتاحة الفرصة للاساليب الدبلوماسية وللاتصالات الهادئة وللغة الحوار للاقتراب من كل القضايا مرة أخرى وافساح المجال امام امكانية التفاوض بشأنها.
وفي هذا الاطار فإنه لم يكن مصادفة على اي نحو أن يتجه علي لاريجاني المسؤول عن الملف النووي الايراني لاجراء مباحثات مع خافيير سولانا منسق السياسة الخارجية للاتحاد الاوروبي ومع عدد من المسؤولين الاوروبيين كذلك. ومما له دلالة هامة ان سولانا حرص على ان يؤكد قبل لقائه مع لاريجاني على انه لن يتم فرض اية عقوبات على ايران خلال المفاوضات مع الاتحاد الاوروبي وهو ما يعني طمأنة ايران بالنسبة للتحركات الجارية في مجلس الامن الدولي والتي تدفعها واشنطن نحو الاعداد لفرض عقوبات على طهران.
من جانب آخر فإن حديث الرئيس الاميركي جورج بوش عن رغبته في معرفة المزيد عن ايران وعن كيفية التفكير الايراني يعد امرا هاما وله دلالته لأنه يعني ببساطة استعدادا اميركيا للاستماع وللتفهم ولادراك كيف يفكر الآخرون وما هي رؤيتهم واهتماماتهم ومصالحهم ومخاوفهم وآمالهم ايضا. ومن المؤكد ان الادراك المتبادل وفهم الآخر يسهم الى حد بعيد في إتاحة الفرصة لمزيد من الفهم والتقارب والقدرة على حل الخلافات والتغلب على الكثير من الصعوبات في التعامل حول هذه القضية او تلك .
على صعيد آخر فإنه في الوقت الذي يتيح فيه رفع الحصار البحري والجوي الاسرائيلي عن لبنان وقيام القوات الدولية «اليونيفيل» بدورها المتفق عليه لمنع تهريب الاسلحة الى داخل لبنان ولمساعدة قوات الجيش اللبناني في فرض سلطة الدولة اللبنانية على كامل ترابها الوطني، فإن الاتصالات الجارية بشأن اطلاق سراح الجنديين الاسرائيليين اللذين اختطفهما حزب الله في شهر يوليو الماضي وإطلاق اسرائيل لسراح عدد من المعتقلين اللبنانيين لديهافي مقابل ذلك من شأنه ان ينزع فتيلا سبق وان أشعل الحرب في لبنان.
ثم يأتي الحديث عن الحاجة الى تنشيط عملية السلام في الشرق الاوسط وحل النزاع الفلسطيني الاسرائيلي والاعداد لمؤتمر دولي للسلام في الشرق الاوسط للتوصل الى حل شامل ودائم ليفتح المجال امام امكانية الدخول بالمنطقة الى مرحلة من الهدوء النسبي للتهيئة للسير في هذا الاتجاه .
يضاف الى ذلك تطور آخر يشهده العراق الشقيق، فبالرغم من تزايد اعمال العنف ضد المدنيين العراقيين وبشكل بشع، فإن استلام الحكومة العراقية لمسؤولية رئاسة الاركان للجيش العراقي وتوليها مسؤولية إدارة وتنظيم وتحديد عمليات القوات العراقية يعد خطوة شديدة الاهمية لأنها تضع القوات العراقية في مركز المسؤولية بالنسبة لحفظ الامن وفرض الاستقرار في مختلف مناطق العراق.
صحيح انه ستكون هناك بالضرورة عمليات تنسيق بين القوات العراقية وقوات التحالف الدولي في العراق بشأن العديد من التحركات والخطوات وذلك بحكم طبيعة الاوضاع العراقية الراهنة، ولكن الصحيح كذلك ان هذه الخطوة يمكن ان تعطي القوات العراقية الفرصة والقدرة على فرض الاستقرار واستعادة الامن في العراق بحكم مسؤولية هذه القوات وما يعلق عليها من آمال .
على اية حال من المأمول ان تتجه الاوضاع سواء في الاراضي الفلسطينية او في لبنان والعراق وفي كل ربوع المنطقة الى قدر من الهدوء ولو النسبي لاتاحة الفرصة لدفع جهود السلام التي تتطلع اليها كل شعوب المنطقة منذ سنوات مضت.