بقدر ما يندهش المرء لتفجُّر المشاعر الشعبية، بل والرسمية، في أوروبا ضد إسرائيل واليهود أثناء الحرب العدوانية الإسرائيلية على لبنان و«حزب الله» فإنه يندهش بقدر أكبر من أن العرب ـ أنظمة وجماعات ـ عاجزون عن استثمار هذا التحوُّل والعمل على تطويره.
على الصعيد الرسمي، أصدر «المجلس الأوروبي» بياناً بشأن الحرب جاء فيه ان رد إسرائيل على هجمات حزب الله عبر الحدود كان مبالغاً فيه. واتهم البيان إسرائيل بشنّ هجمات عشوائية على أهداف مدنية.
وعلى النغمة نفسها، قال رئيس الوزراء الإيطالي رومانو برودي إن رد الفعل الإسرائيلي كان «إسرافياً».
على أن اللغة الشعبية الأوروبية كانت أقوى من اللغة الدبلوماسية. وفي هذا الصدد برز بصورة خاصة صوت المؤلف الروائي النرويجي جوستن جاردر الذي دمغ إسرائيل بالتطهير العرقي وقتل الأطفال. وذهب أبعد من ذلك عندما قال إن الدولة اليهودية فقدت حقها في الوجود.
وبالطبع، نستذكر أنه خلال الهجمات الإسرائيلية خرجت تظاهرات ضد الحرب في عدد من العواصم الأوروبية تميزت برفع علم حزب الله.
هذه الوقائع والتعليقات ليست من عندي بطبيعة الحال، فقد نشرت في العديد من الصحف الأوروبية. وأنا هنا أنقل عن مجلة «الاكونومست» الموجهة إلى قاعدة قراء نخبوية تتمثل في كبار رجال الأعمال الغربيين وصنَّاع القرار والقادة السياسيين.
وفي سياق تعليقاتها تقول المجلة إن الانتقادات الأوروبية الحادة الموجهة ضد إسرائيل على غرار ما صدر عن المؤلف النرويجي جاردر تعكس مشاعر ملايين الأوروبيين مما يشير إلى تحوُّل متنامٍ في الرأي العام الأوروبي ضد الدولة اليهودية.
وحتى على المستوى الرسمي، فإن بعض كبار المسؤولين الأوروبيين صاروا يستخدمون وسائل تعبيرية غير مألوفة تجاه إسرائيل. ففي أثناء الحرب عمد رئيس الوزراء الإسباني زاباتيرو إلى ارتداء غترة وعقال للإعراب عن تضامنه مع العرب عموماً واللبنانيين خصوصاً.
ومن أوجه هذا التحوُّل الأوروبي على الصعيد الشعبي انتقال اليسار الأوروبي من التعاطف التقليدي مع إسرائيل إلى دائرة العداء لها. فالاشتراكيون الأوروبيون تخلصوا من «عقدة الذنب» فتحوّلوا من التضامن مع اليهود باعتبارهم شعباً اضطهدته النازية إلى التضامن مع الفلسطينيين باعتبارهم شعباً وقع تحت اضطهاد يهودي. وبذلك أصبحت الدولة الإسرائيلية في نظرهم الآن قوة من قوى الاستعمار الجديد.
مثل هذا التحوُّل كان لا بد أن ينعكس على رؤية اليسار الأوروبي للولايات المتحدة. وبذلك تنظر الأحزاب الاشتراكية الأوروبية الآن إلى إسرائيل كامتداد لكل شرور الرأسمالية اللا إنسانية التي تمثلها الولايات المتحدة كقوة عظمى ظالمة.
هذا التحوُّل الأوروبي يصحّ أن يُعتبر إرهاصاً لتحوُّل تاريخي شامل ضد النفوذ اليهودي في أوروبا. ولذا فإن من الغريب ـ والمؤسف ـ أن العرب لم يفطنوا إلى مغزاه بهدف دعمه وتطويره وتسريع إيقاعه في سياق الصراع العربي ـ الإسرائيلي.
أم أنهم فطنوا وسكتوا خشية إغضاب الولايات المتحدة.. أم أن اليسار الأوروبي صار «قومياً عربياً» أكثر من العرب أنفسهم؟!