إلى أين يمضي العراق بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على الغزو الأميركي البريطاني لبلاد الرافدين؟ سؤال عكس تحذير وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) من انزلاق العراق إلى حرب أهلية، جانب من الإجابة السلبية، والمخاوف التي طالما يحدث عنها ساسة عراقيون ومحللون كثر في العام الأخير على الأقل من عمر الاحتلال، وهي مخاوف لها العديد من المبررات على ارض الواقع في ضوء تصاعد الاحتقان الطائفي والعرقي سواء في الشمال أو الجنوب مرورا ببغداد ومحافظات ما يسمى بالمثلث السني في غرب البلاد.
محاولات تخفيف الرئيس الأميركي جورج بوش من أهمية التحذير الذي أطلقه البنتاغون في تقرير رفعه إلى احدى لجان الكونغرس، لا يلغي أن المخاوف من اندلاع حرب أهلية، لا يمكن التهوين من إمكانية وقوعها بين عشية وضحاها، وإذا لم يتم تدارك الخطر والعمل الجاد والدؤوب من كافة الأطراف، بما فيها قوات الاحتلال التي تشكل سببا ونتيجة في إزكاء دوامة العنف.
اعتقد البعض بمقتل أبو مصعب الزرقاوي زعيم تنظيم القاعدة في العراق في يونيو الماضي أن كابوس العنف قد انزاح، وان الأقدام اقتربت من تجاوز أبواب القتل العبثي، والوصول إلى ساحة الأمن والاستقرار، غير أن هذا التوقع تبدد مع استمرار التفجيرات والهجمات التي راح ضحيتها مئات المدنيين الأبرياء جنبا إلى جنب عناصر الشرطة والجيش العراقيين وجنود الجيش الأميركي.
هذه النتيجة، كانت أمراً طبيعياً في رؤية بعض المحللين الذين رأوا أن العنف ابعد ما يكون تعبيرا عن عمليات تنظيم معين أو جماعة مسلحة بذاتها، إذ أن عوامل دخول حظيرة الاقتتال لا تزال قائمة، طالما بقي الاحتلال من جهة، ولم يتوصل الساسة إلى اتفاق جاد على مشروع يدفع بالعراق إلى لملمة لحمته الوطنية ونبذ الطائفية وتحصين البلاد ضد شبح التقسيم والتفتيت إلى أجزاء وهو ما تبدو شراراته في تصريحات هؤلاء الساسة في الوقت الراهن.
الاتفاق بين القادة العراقيين على أهمية الخروج من شبح التقسيم للأسف لا يزال خطوة لم تعبد الطرق أمامها بالقدر الكافي، رغم المحاولات التي استهدفت الوصول إلى هذا الهدف ، بدءا من الاجتماع التحضيري لمؤتمر الحوار الوطني الذي رعته الجامعة العربية في القاهرة، ومروراً بدعوة الرئيس العراقي إلى الحوار مع الجماعات المسلحة.
وليس انتهاء بمؤتمرات العشائر الداعية إلى تحريم الاقتتال وإسالة الدماء، وفي مقابل هذه المساعي لتقليص فرص تفاقم الأوضاع الأمنية والعمل على إيجاد مخرج سياسي، لا تخلو الساحة من التجاذبات التي تبدد تلك الجهود، وقد رأينا كيف فجرت أزمة إنزال العلم العراقي من فوق الإدارات الحكومية في كردستان بأوامر من رئيس الإقليم مسعود البارزاني.
وهو ما زاد المخاوف من إمكانية أن تكون تلك الخطوة مقدمة لخطوات يضمر الأكراد القيام بها على طريق الانفصال، وشاهدنا التراشق بالتصريحات النارية بين الزعماء الأكراد ونظرائهم من العرب السنة.
أزمة العلم لم تكن وحدها ما يثير المخاوف على المستقبل العراقي بعد أن تفجرت إلى جانبها أزمة فيدرالية الوسط داخل مجلس النواب الذي اضطر رئيسه السني إلى تأجيل مناقشة القضية التي ألح النواب الشيعة على مناقشتها، وهي بداية لتصعيد جديد بين الفرقاء ربما يكون العراق في غنى عنه في هذا الوقت العصيب الذي شهدت معدلات العنف خلاله زيادة غير مسبوقة مقارنة بفترات سابقة.
وفي هذه الأجواء تستمر معاناة الشعب العراقي الذي يدفع يوميا فواتير وضرائب لا تتوقف من دم وأرواح أبنائه، دون أن يكون للبعض منهم يد مباشرة في أتون الصراع المحتدم الذي بات جزءا أصيلاً من اللعبة الأميركية المسماة «الشرق أوسط الجديد».
وحتى تخرج المنطقة من نظرية«الفوضى الخلاقة» التي يتبناها الأميركيون، ويصل العراقيون إلى مصالحة شاملة، يبدو أن العراق سيكون أسير المخاوف من اندلاع شرارة حرب أهلية ربما يكتوي بنيرانها أول من كانوا سببا في وصول العراق إليها.