في الذكري الخامسة لأحداث 11 سبتمبر يبدو المشهد في المنطقة مأساوياً. فاليمين الأميركي الصهيوني المتعصب الذي كان قد نجح في إيصال مرشحه للبيت الأبيض وجد في الأحداث الفرصة التي ينتظرها لإعلان الحرب على العرب والمسلمين وهي التي سماها الرئيس بوش منذ البداية «الحرب الصليبية »الجديدة.

وإسرائيل ـ من جانبها ـ لم تترك الفرصة فألحقت نفسها شريكا رئيسيا في هذه الحرب، لتكون النتيجة تحويل المقاومة الوطنية الفلسطينية إلى حركات «إرهابية »تتصدى لها إسرائيل وأميركا معا.

وهو الأمر نفسه الذي انطبق بعد ذلك على حزب الله في لبنان، وعلى المقاومة الوطنية الحقيقية في العراق. تأتي الذكرى الخامسة لأحداث 11 سبتمبر، وقد دفع العرب ثمنا رهيباً لـ «إرهاب » ليسوا مسؤولين عنه حتى ولو قام بهذه الأحداث عرب ومسلمون.

فهذا ال«إرهاب »هو من البداية صناعة أميركية بحتة، تنظيم القاعدة نفسه ذهب إلى أفعانستان مع الآلاف من الشباب العرب والمسلمين في رعاية المخابرات الأميركية لكي يمارسوا «الجهاد »ضد السوفييت الكفار.

والآن بعد أن انقلب السحر على الساحر قبل خمس سنوات تتنكر أميركا لتاريخها وتضع مسؤولية الإرهاب الذي صنعته على العرب والمسلمين، وبعد ان تغزو أفغانستان بحجة الانتقام لما حدث في 11 سبتمبر، تتجه للهدف الحقيقي: السيطرة على الشرق الأوسط وتدمير كل القوى العربية الحية، ووضع الدول العربية رهن التفكيك والتقسيم لتكون إسرائيل هي القوة الأكبر التي تحرس المصالح الأميركية في المنطقة.

وفي هذا الإطار تم غزو العراق وتدميره، وأطلقت يد إسرائيل في حربها الهمجية المستمرة ضد الشعب الفلسطيني، ثم في عدوانها الوحشي لتدمير لبنان والقضاء على حزب الله. بينما أميركا لا تكتفي بكل ذلك، بل تمارس كل نفوذها من أجل نشر الفوضى «الخلاقة »في كل أنحاء الوطن العربي.

لكن المشهد بعد خمس سنوات يبدو مخالفاً لكل التوقعات التي رافقت البداية. فالعراق الذي كانت أميركا تعد بأن يكون «النموذج» الذي تقدمه للمنطقة في الديمقراطية والرخاء تحول إلى مأساة.. فالدولة قد تم تدميرها، والنتيجة بعد ان أنفقت أميركا300 مليار دولار وفقدت آلاف القتلى والجرحى هو وقوع العراق أسير حرب أهلية يفقد خلالها ما يقرب من أربعة آلاف قتيل شهريا يضافون لما يقرب من مئة وخمسين ألفا راحوا ضحية الغزو الأميركي..

والرابح حتى الآن هي إسرائيل التي استراحت من اختفاء العراق كقوة عربية قادرة على التصدي لها، ثم إيران التي امتد نفوذها وأصبحت لاعبا أساسيا في العراق.

وفي فلسطين ،تم إطلاق يد قوة البطش العسكرية الإسرائيلية، انطلاقا من أن الفرصة مواتية لتصفية القضية الفلسطينية وفرض الحل الإسرائيلي بالقوة على الشعب الفلسطيني بعد تصفية المقاومة الوطنية التي أصبحت في العقيدة الأميركية الجديدة جزءاً من «الإرهاب»الذي ينبغي استئصاله.

وفي الوقت الذي كانت فيه واشنطن تبحث عن مخرج لمأساتها في العراق، وكانت إسرائيل تبحث عن طريقة لترجمة تفوقها العسكري والسياسي إلى حل نهائي يتم فرضه على الفلسطينيين، وكانت الدولتان تبحثان عن كيفية مواجهة التحدي النووي الإيراني.. جاءت حرب لبنان لكي تحدث انقلاباً كاملاً في المشهد.

فالحرب التي بدأتها إسرائيل بثقة كاملة في القضاء على حزب الله خلال أيام، وبدأتها الولايات المتحدة بالإعلان على لسان وزيرة خارجيتها أننا أمام البداية الحقيقية للشرق الأوسط الجديد الذي تصنعه واشنطن بالمواصفات التي تحددها العصابة الصهيونية اليمينية التي استولت على القرار الأميركي. .

هذه الحرب انتهت ـ رغم فداحة الثمن الذي دفعه لبنان ـ إلى خسائر فادحة للشريكين الإسرائيلي والأميركي، وإلى فشل كامل في تحقيق ما استهدفته واشنطن وتل أبيب من هذه الحرب القذرة التي يستحق من خططوا لها وقاموا بها ووفروا الحماية لها ان يحاكموا كمجرمي حرب حقيقيين.

لقد انتصرت المقاومة في لبنان، واسقط حزب الله قوة الردع العسكرية الإسرائيلية. وكما ثبت في العراق ثبت أيضا في الجنوب اللبناني. . ان هناك حدوداً لاستخدام القوة مهما تعاظمت. ومع صمود المقاومة اللبنانية، وتحرك الشارع العربي.. انكشف الموقف الأميركي المشارك في العدوان، واضطرت أميركا لإيقاف الحرب التي تدرك جيداً ان نتائجها ستكون شديدة الأهمية في ظل صراع مفتوح على مستقبل المنطقة.

في ظل هذه الأوضاع بالغة التعقيد، يأتي القرار العربي بالعودة بالقضية الفلسطينية إلى مجلس الأمن، انطلاقا من أن «عملية السلام»التي قادتها الولايات المتحدة الأميركية على مدى سنوات انتهت إلى فشل كبير، وأنه قد آن الأوان للعودة للشرعية الدولية لإنقاذ الوضع، وهو قرار ـ بقدر أهميته ـ يثير عدة إشكاليات لابد من التعامل الجاد معها، فالقرار ـ وفقا لما أعلنه الأمين العام للجامعة العربية ـ ينطلق من إدراك لفشل النهج الذي انفردت فيه الولايات المتحدة بالملف العربي ـ الإسرائيلي، خاصة ما يتعلق بالجانب الفلسطيني الذي هو أساس القضية.

ولا شك أن اللجوء لمجلس الأمن بما يعنيه من إنهاء هذا الانفراد الأميركي، ومن الاحتكام للشرعية الدولية، هو أمر تعارضه واشنطن. وبغض النظر عن حق «الفيتو »الذي طالما استخدمته أميركا لحماية إسرائيل، فإن النفوذ الأميركي يستطيع تعطيل أي خطوة في مجلس الأمن. . فكيف سيكون الموقف العربي حينئذ؟

في المقابل كان هناك تصور ـ قبل الحرب في لبنان ـ بأن واشنطن قد أدركت ان فرض حل للقضية الفلسطينية قد اصبح ممكنا في ظل الخلل في موازين القوى لصالح إسرائيل. وان مثل هذا الحل يمكن أن يكون المخرج لمشاكل أميركا في المنطقة ومع العرب والمسلمين.

وفي هذا الصدد كان الحديث عن مؤتمر دولي يفتح الباب لهذا الحل ويسبق انتخابات الكونجرس الأميركي ويفتح الباب لخروج مشرف من العراق، ويدعم الموقف الأميركي في صدام محتمل مع إيران.

والسؤال: هل سقط هذا التصور بعد الحرب في لبنان ؟ وهل يتصادم هذا التصور مع تصور الدول العربية..أم أن هناك نقطة التقاء محتمل يجري الرهان عليها من الجانبين ؟

في كل الأحوال، وأيا كان الموقف الأميركي، فإن نقل القضية إلى مجلس الأمن يستوجب ان يكون هناك تفاهماً مسبقاً مع باقي الأطراف الفاعلة. وإذا قلنا إن بريطانيا تحت حكم بلير تابعة للقرار الأميركي فماذا عن الصين وفرنسا وروسيا ؟ وهل تحركنا كما يجب تجاهها؟ وهل استخدمنا ما نملك من أوراق لكسب التأييد لقضيتنا في عالم تحكمه المصالح.. أم أننا سنذهب فقط لتسجيل المواقف ثم تعود الأمور إلى ما كنت عليه ؟

إن الفارق سيظل كبيراً بين رؤية أميركية منحازة لإسرائيل وتستهدف حلاً يقوم على توازن مختل للقوى في غير صالح العرب. وبين رؤية عربية تنطلق من حل يوفر الحد الأدنى الذي يضمن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة في حدود 67 واستعادة القدس العربية وضمان حقوق اللاجئين. والأمر لا يعتمد على النوايا الحسنة وإنما على قدرتنا في إدارة الصراع السياسي على أفضل صورة، واستخدام الأوراق التي نملكها بإيجابية وبثقة في أننا قادرون على إنجاز الأهداف التي نحددها.

إننا نملك أوراقا اقتصادية وسياسية مهمة، ونملك الشرعية والحق، ونملك القدرة على الصمود كما حدث في فلسطين، والقدرة أيضا على الانتصار أو على الأقل إفشال مخططات العدو كما حدث في لبنان.

وفي المقابل أمامنا أميركا الغارقة في العراق، الفاشلة على مدى سنوات في تحقيق شيء إلا تدمير العراق والمشاركة في تدمير لبنان، وأمامنا إسرائيل وقد فقدت القدرة على الردع العسكري وانكشف وضعها كبؤرة تجسد الإرهاب الحقيقي وتخشى ان تفقد دورها في المنطقة وتفقد بالتالي الدعم الأميركي لها حين تصبح تكلفتها اعلى مما يتحمل المواطن الأميركي.

في ظل هذه الظروف يستعيد العرب قدراً من الإرادة السياسية المفتقدة، ويتقدمون للتعامل الجاد مع قضاياهم، ويذهبون لمجلس الآمن ليقولوا أن الانفراد الأميركي بالقرار في مصير المنطقة قد فشل، وان إعطاء العرب أوراق اللعبة لواشنطن أملاً في حل للقضية العربية المركزية أدى إلى تفويض أميركي لإسرائيل لفرض ما تراه وان تحاول ـ من خلال حرب إبادة مستمرة ـ أن تجبر الفلسطينيين والعرب على قبول الاستسلام الكامل للحل الصهيوني.

الآن يحاول العرب بعد أن أدركوا أن ترك القرار الأميركي (الإسرائيلي بالتالي ) لن يؤدي إلا إلى إغراق المنطقة في الفوضى.. يحاول العرب تصحيح المسار واستعادة الشرعية الدولية من خلال مجلس الأمن، وسوف يتقدمون مرة أخرى بالمبادرة العربية التي سبق ان تجاهلتها واشنطن ورفضتها تل أبيب رغم كل ما تقدمه من تنازلات.. فماذا سيكون الوضع لو استمر الموقف الأميركي على انحياز كامل لإسرائيل ورفضه العودة للشرعية الدولية؟

الأمر يتوقف على الموقف العربي ذاته، فلا معنى للجوء لمجلس الأمن ولا لإعادة تقديم المبادرة العربية إلا إذا أدرك الجميع أن العرب مستعدون لمعركة سياسية طويلة، وأنهم سيستخدمون فيها كل إمكانياتهم. وان الإجابة على رفض مبادرتهم السلمية هو ان تستعد إسرائيل لإعادة تفعيل المقاطعة ووقف أي محاولة للتطبيع والدعم الكامل للشعب الفلسطيني في نضاله المشروع، وأن تستعد أميركا لموقف عربي متحد ومختلف عما تعودت عليه.. يعلي المصلحة العربية وحدها ويقول بكل صراحة إن مصالح أميركا في المنطقة لن تكون مضمونة في ظل انحيازها المفضوح لإسرائيل.. فهل نفعل؟