كشف خبر صحافي عن اعتذار مائة وأربعين معلماً مواطناً ووافداً عن مهنة التدريس، وكشف عن استقالة أكثر من خمسة وأربعين منذ بداية أغسطس حتى الآن. ولأن خبر استقالات المعلمين مؤشر خطير فلابد من التوقف عنده ليس بالاستغراب وتقطيب الحاجبين فحسب، بل بالتحري عن أسباب استقالات بالجملة، لان ذلك يمس أمننا التعليمي والأهداف الوطنية المرجوة منه.

إذا كان الخريجون يعتذرون عن المهنة، وإذا كان غيرهم ممن عمل فيها وعانى ويلاتها أقدم على خطوة جريئة كالاستقالة، فإن ذلك بلا شك يقودنا للتفكير في أن البيئة التعليمية ربما أصبحت طاردة ومنفرة رغم اهتمام القيادات العليا بها، ورغم الحوافز «المادية» التي قدمت للمعلمين أخيرا.

وهو أمر لا تحمد عقباه فيما لو صح وفيما لو استمر، خاصة إذا كان المواطنون الذين نركن إليهم في التربية والتعليم هم من قرر العزوف عن هذه الوظيفة، معيدين بذلك التعليم في الإمارات إلى بداياته حيث كان يعتمد على الأخوة الوافدين!

إن الاعتذار عن مهنة التدريس أو الاستقالة منها يشير إلى وجود مشكلة تتطلب حلولا. والحلول ليست في تعيينات جديدة لأفراد مازالت لديهم الرغبة للعمل في المهنة، أو آخرين يائسين من العثور على وظيفة أخرى، لكن في بحث عميق وجاد عن الأسباب التي تجعل المعلمين يعزفون عن ممارسة المهنة، وبحلول تعيد المعلم لمهنة مقدسة تتطلب مهام ومسؤوليات شاقة ومرهقة، وضميرا حيا يحتم عليه إعداد الجيل المنتظر.

هناك معلمون راودهم تخوف من سنوات التقاعد التي قد تصل إلى العشرين عاما، وهناك آخرون يشعرون بان الجهد والمشقة التي يتحملونها لا تساوي المردود المادي والمعنوي الذي قد يحظى به بعضهم، ويحرم منه آخرون لاعتبارات ليست منطقية.

وهناك معلمون أصبحوا يشعرون بأنفسهم ممثلين أمام مسرح مسؤولي الوزارة والمناطق التعليمية، عندما يطلب منهم مثلا كم هائل من الأنشطة، يقيّمون على أساسها حتى أصبح الوسط التعليمي في بعض المدارس ساحة استعراض!

المعلم المواطن بحاجة لعوامل جذب مادية ومعنوية تدفعه للعمل والإنتاج حاله حال أي موظف آخر. وبحاجة للاستقرار الذي يجعله يقبل على المهنة دون منغصات أو مكدرات.

إن إحجام المواطنين عن مهنة التدريس أمر لا ينبغي السكوت عنه لأنه يتراجع بأهداف توطين الكوادر التعليمية واستمراريتها، ويفقدنا الانسجام الذي ننتظره بين المناهج واحتياجاتنا المحلية، كما انه يعيد التعليم في الإمارات إلى ماض يزيد على الخمسة والثلاثين عاما. فهل بحثت الوزارة عن أسباب الاستقالات؟

هل أعدت خطة أو استراتيجية لتطوير المعلم من خلال برنامج يقتنع به ويشعر انه يطوره فعلا؟ هل وضعت بدلات محفزة؟ وما هي سياستها لتجعل التدريس مهنة جاذبة؟ نأمل أن يكون لدى الوزارة أجوبة شافية في خطة ميدانية جادة، ليس لننشرها في هذه الزاوية أو على صفحات أخرى، بل لتحد من مسلسل الاستقالات والاعتذارات، وذلك أضعف الإيمان!

maysaghodeer@yahoo.com