قبل أن يجف حبر المبادرة العربية، التي اتخذها مجلس الجامعة العربية منذ أيام، سارعت واشنطن مع إسرائيل إلى إعلان رفضهما لها. المبادرة رمت إلى إحياء وتفعيل «عملية السلام».

بهذا الغرض اقترحت دعوة مجلس الأمن الدولي إلى إقرار آلية جديدة تكفل تحقيق هذا الهدف؛ ووضع جدول زمني لانجاز المهمة وبلوغ التسوية الشاملة؛ في الواقع هي ترجمة للمبادرة التي كانت قد تبنتها القمة العربية في بيروت عام 2000.

الوفد الأميركي في الأمم المتحدة سارع، مع بعض الأوروبيين، إلى الاعتراض على المبادرة. تعليله أنها «مجدية في الوقت الراهن»! مضيفاً بأنها «لن تكون مفيدة ولن تساهم إلا في تأجيج شعور العداء لإسرائيل»! وزيادة في وضع العصي في الدواليب.

ومن أجل قطع الطريق على هذا التوجه العربي، قبل أن يجري تزخيمه، تزعم واشنطن بأن مثل هذا السعي قد يؤدي إلى «حجب» الجهود التي تقوم بها اللجنة الرباعية المعنية من أجل تنفيذ خريطة الطريق الرامية إلى تسوية قضية فلسطين وكأن الإدارة الأميركية كانت متحمسة جداً لهذه الخريطة! أو كأنها لم تكن وراء تعطيل تحرك الرباعية.

في هذا الخصوص. واشنطن سكتت دهراً على التخريب الإسرائيلي المتواصل لـ «خريطة الطريق». تجاهلت التعجيزات والعراقيل التي تعمدت تل أبيب وضعها في طريق السلطة الفلسطينية.

تركت الحكومات الإسرائيلية تواصل سياسات الاستفزاز والتأزيم، من دون السماح لمجلس الأمن بتمرير أي مشروع قرار يقضي بوقف العدوان، ناهيك بإدانته، وفي الوقت ذاته دأبت ـ على غض الطرف عن التمدد الاستيطاني.

أبعد ما ذهبت إليه، في الصدد هو أن مثل هذا التوسع «لا يساعد»)!( وأن الحدود النهائية يجب أن تترك «للمفاوضات النهائية»! كلام ضبابي وعملة لا تصرف فواشنطن تعرف أن تل أبيب لا تريد ولم تقبل، حتى عقد لقاء على مستوى رئاسي مع الجانب الفلسطيني. كما أنها تعرف جيداً بأن الحديث عن مفاوضات «المرحلة النهائية» لا يعدو كونه ملهاة ومادة للتخدير .

ماذا يبقى للتفاوض حوله إذا ما بقيت الحال على ما هي عليه من فتك وتفتيت وحصار وقضم وتجويع؟ ثم لماذا المسارعة إلى الرفض كلما تم طرح مخرج أو مبادرة تقوم على الدعوة لحل شامل رفضت إسرائيل ومعها بالعادة، واشنطن مبادرة قمة عام 2000 في بيروت، ثم اليوم ترفضان إحياءها ووضعها في عهدة مجلس الأمن وقبل ذلك وقفتا بوجه دعوات لعقد مؤتمر دولي جديد؛ دعا أول من أمس وزير خارجية روسيا إلى إحياء فكرته «من أجل العمل على بلوغ تسوية شاملة في المنطقة».

الواضح أن الثنائي الأميركي ـ الإسرائيلي لا يزمع التخلي عن سياسة الاستفراد والتفرد: التعامل مع كل وضع على حدة واستبعاد الحل الشامل. من هنا كان رد وزيرة الخارجية الإسرائيلية على المبادرات الشاملة، بالدعوة إلى تجديد التواصل مع السلطة الفلسطينية؛ من دون الإشارة إلى بقية الجبهات. والنية في ذلك ليست خفية. مفادها أن البحث في تسوية تقوم على «الأرض مقابل السلام» والتي تنطوي عليها المبادرة العربية؛ ليس وارداً في حسابات تل أبيب وواشنطن. وحده الحل الانفرادي مقبول وبالشروط الإسرائيلية المعروفة.

ومن هنا الانزعاج من التوجه العربي المطروح والمسارعة إلى زرع العقبات في طريقه. في المقابل مطلوب الإصرار على المبادرة والعمل على تسويقها بقوة خلال الدورة القريبة للجمعية العمومية للأمم المتحدة وأيضاً من خلال حشر هذا الثنائي ووضعه أمام لحظة الحقيقة؛ فاما أن يبدي الجدية وأما أن يتوقف عن التشدق بلغة السلام.