بالقدر الذي يكون فيه التنوع في الرؤى والتوجهات أمراً طبيعياً في ظل الديمقراطية والتعددية السياسية والحزبية.. فإن التعامل مع هذا التنوع إذا ما تجاوز المعايير والضوابط الأخلاقية والقانونية والتشريعية والقيمية التي تصون وتحمي قواعد الاختلاف من الاستغلال الانتهازي يصبح نوعاً من العبث ووسيلة إضرار أكثر منه مبعثاً وحافزاً على التنافس الخلاّق من أجل المزيد من العطاء وتقديم الأفضل الذي ينعكس بأثره الإيجابي على حياة المجتمع والوطن..

وتدلنا هذه المعادلة على أن هناك بوناً شاسعاً بين عامِلَيْ الاختلاف والخلاف.. فالاختلاف هو ما يجد فيه كل إنسان فرصته للتعبير عن آرائه وأفكاره ووجهة نظره حيال مختلف أوجه الحياة وصولاً إلى إثراء الواقع بالاجتهادات التي يتنافس فيها الجميع في ميادين العطاء والإيثار من أجل خدمة الناس..

فإن منطق الخلاف هو من ينم عن إحساس يضيق بالآخر وشعور تحركه نوازع التعصب وحب الذات، إن لم يكن اللهث وراء الشهرة أو بلوغ مقاصد نفعية عن طريق ابتزاز الأطراف المختلف معها، إما عبر وصفهم بما ليس فيهم أو بقدحهم بالذم والعيب والنقص، والطعن في أفعالهم وأعمالهم دون وجه حق.

ولأن الفاصل بين مبدأ الخلاف والاختلاف خيط رفيع جداً فقد اختلط الأمر عند البعض من الناس حتى صاروا لا يميزون بين حدود نقد الآخر وبين الخروج عن آداب الاختلاف، والتي لا تجيز قلب الحقائق أو طمسها واللجوء إلى التحريض الذي يقلق السكينة العامة ويثير الفتنة بين أبناء المجتمع الواحد.

ولأن مثل هذا الخلط يلحق الضرر بقيم الديمقراطية بل ويسيئ إلى معانيها ودلالاتها.. فإن قانون الانتخابات اليمني قد وضع الضوابط التي تمنع استخدام عملية الدعاية الانتخابية - التي تسبق عملية الإقتراع - لتبادل الشتائم والتهم والمناكفات الإعلامية.. والاندفاعات التي تقفز على حدود اللياقة، وموجبات الحفاظ على السلم الاجتماعي.

ولعل ذلك هو ما يوجب على كافة الأطراف الحزبية الارتفاع بخطابها إلى مستويات أعلى من الموضوعية ودرجات أكبر من الواقعية وبحيث يغدو هذا الخطاب نابعاً من مفردات البرامج الانتخابية للأطراف المتنافسة.. ومبرزاً أولوياتها في هذه البرامج بأبعادها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية وغيرها..

حيث أن من مصلحة جميع المصفوفة الحزبية والسياسية إظهار عملية التنافس الانتخابي أمام العالم كقيمة رفيعة تتعامل مع مسألة الاختلاف وتعدد الرؤى من منظور راقٍ تظلله معاني الالتزام بجوهر الديمقراطية وقواعد ممارستها وبما يترجم الإيمان الصادق بأن التنوع والتنافس في صناديق الاقتراع لا يعني بأي حال من الأحوال القطيعة أو الافتراق..

بل إن ذلك يمثل الطريق لتعميق جسور التلاحم الوطني والتفاعل الإيجابي حيال القضايا المتصلة بتطور ونهوض الوطن، وأنه لا خيار غير هذا الخيار بغض النظر عن من سيفوز بثقة الناخبين، باعتبار أن الفائز في هذا التنافس هو في الأخير الشعب اليمني، وكذا تجربته الديمقراطية.

والوطن عموماً بكل أحزابه وتنظيماته وأفراده الذين يستقرون في مركب واحد ويحرصون جميعاً على توفير كل سبل الأمان لهذا المركب، وبالتالي فإن الواجب يحتم عليهم التحلي بروح المسؤولية لضمان نجاح سير عملية الانتخابات وإجرائها في أجواء ومناخات آمنة ومستقرة.

وبهذا سنبرهن على أن الديمقراطية في بلادنا هي إنجاز عظيم تأسست مداميكه على الحكمة اليمانية والإرادة الحضارية والقناعة المشتركة على أن الديمقراطية هي سبيلنا لصنع الحاضر المشرق وضمان المستقبل الآمن والمزدهر.