لم تشهد البشرية وضعاً كارثياً بكل معنى الكلمة كالوضع الراهن الذي بدأ مع هجمات 11 أيلول الإرهابية قبل خمس سنوات ولا يزال مستمراً.

كانت تلك الهجمات أبشع عمل إرهابي شهده العالم منذ إلقاء القنبلة الذرية على هيروشيما وناغازاكي، وإن كان ضحايا أحداث أيلول 2001 لايقارنون بضحايا أكبر جريمة إبادة عرفها التاريخ على مرّ العصور. ‏

وإذا كانت تلك الهجمات إحدى أكبر العمليات الإرهابية في تاريخ البشرية فإن ما تلاها من حروب وقتل وتدمير تجاوز من حيث الإرهاب وعدد الضحايا أحداث أيلول وضحاياها قارب حتى ضحايا قنبلتي هيروشيما وناغازاكي مجتمعتين. ‏

واليوم ونحن نستعيد أحداث نيويورك وواشنطن يحق لنا أن نسأل بعد مرور خمس سنوات على تلك الفاجعة: هل كان الرد الأميركي متناسباً مع حجم العمل الإرهابي؟ وهل ما شهده العالم منذ ذلك اليوم الأسود حتى يومنا هذا هو حرب على الإرهاب أو إرهاب موصوف يتجاوز ما قام به نفر من الإرهابيين؟. ‏

لا نشك في أن تدمير برجي مركز التجارة العالمي ووزارة الدفاع الأميركية كان عملاً إرهابياً بامتياز، لكن الذين نفذوه حفنة معدودة لا يمثلون دولة ولا حتى حزباً، بينما الذي قامت به الإدارة الأميركية هو أبشع أنواع الإرهاب باعتباره إرهاب دولة، بل هو إرهاب تقوم به أقوى وأكبر دولة في العالم يفترض أن يكون أمن وسلام العالم في صلب اهتماماتها ومسؤولياتها وليس العكس. ‏

والغريب أن تزعم إدارة بوش أن حروبها ضد أفغانستان والعراق وفلسطين ولبنان هي من أجل القضاء على الإرهاب، وهذه حجة لم تعد تنطلي حتى على الأميركيين والبريطانيين الذين أوصلوا جورج بوش وطوني بلير إلى سدة السلطة، وها هي شعبية بوش تنحدر إلى أدنى مستوى لها على الإطلاق وهاهو بلير يعلن أنه سيتخلى عن منصبه خلال عام، وربما أقل، دون أن ننسى أن الحرب على العراق أطاحت برئيس الوزراء الإسباني المحافظ السابق أزنار. ‏

ليس أسهل من صنع الحروب وارتكاب المجازر واقتراف جريمة الإرهاب كما يحدث في أفغانستان والعراق والأراضي الفلسطينية المحتلة وحتى ما حصل للبنان، ولكن ما أصعب طريق السلام بالنسبة لمثل هذه الفئة من الناس التي لا تعرف إلاّ لغة القتل والتدمير والإرهاب والتي ارتكبت على مدى ما يزيد على ستة عقود مجازر جماعية من هيروشيما إلى قانا ومروحين وصديقين وغزة وجنين. ‏

إنها الأيدي نفسها والقتلة أنفسهم من هيروشيما إلى قانا. ‏