الشعب الذي ولد وتربى على نظام الحرية، والديموقراطية، هو الذي يقترع لصالح بلده، والشعبان الأمريكي والبريطاني في طليعة الديموقراطيات الكبرى في العالم، لكن تظل الشعوب في السلطة غير واضحة، إلا حين يفرض الواقع نفسه بقسوة، بحيث تتحول الأهداف عن اتجاهها، إذا ما اصطدمت بواقع مضاد، ولعل إسقاط (ونتسون تشرشل) بعد انتصاره مباشرة بالحرب العالمية الثانية، واعتباره بطلاً قومياً ليأتي الاقتراع ضد انتخابه رئيساً للوزراء، يعتبر وعياً متقدماً من قبل الشعب البريطاني الذي رأى أن المرحلة لا تتفق مع امكانات تشرشل، والحدث الآخر عندما أزاح الأميركيون الرئيس نيكسون من كرسي الرئاسة بسبب فضيحة التصنت أو ما عرف ب «ووترجيت».

في البلدين تجرى الآن محاولات متقاربة مع الماضي، إذ يواجه (بلير) انتقاداً حاداً من الشعب والوزراء، وحين يعلن سبعة من المسؤولين البريطانيين استقالاتهم احتجاجاً على سياسة رئيس الوزراء، فهم يمثلون نبض أمتهم، أي أنه من غير المنطقي أن تعيش دولة مثل بريطانيا في ظل حليف أميركي يقودها إلى التورط في أحداث العالم نتيجة ساسة تلبستهم حالة من الهوس بأنهم السادة الذين يقودون القيم الأميركية التي يجب أن تكون النموذج المطبق على كل البشر، ومن خلال هذا الهوس أصبحت بريطانيا التابع لمغامرات ذلك الفريق الذي فجر الحروب والعداوات وصار الإرهاب يتقوى ويذهب إلى عمق الدولتين بسبب سياساتهما المتهورة..

أميركا لا تقل شراسة بنقدها للرئيس بوش، لكن شعبها ليس بوعي البريطانيين بأحداث العالم ومتابعتهم لها، والسبب يعود إلى أن الخسائر المادية مهما عظمت فهي لا تشكل خطراً على أقوى اقتصاد في العالم، لكن حين تأتي مغامرة الساسة بتكاثر ضحايا الحروب، والشعور بأن العالم يعاديهم بسبب تهور قادتهم، فإن التحرك باتجاه نقد السلطة، ورفض تصرفاتها يكون بنفس التساوي مع أي شعب لا يقبل الخطأ أو تعمده..

الحليفان (بوش، وبلير) أدخلا شعبيهما حديقة الضباع في العراق وأفغانستان وسكتا عن تدمير لبنان لكسب رضى الحليف الإسرائيلي، وقد يقودان مغامرة أخرى في إيران، أو كوريا الشمالية، ومثل هذه الحروب لم تعد كلفتها سهلة، لأن العالم لا يحتمل أن تتحول الجغرافيا الحساسة على مصالحهم بيئة للتقاتل والتدمير والاحتلال ولعل هذا الوعي الذي بات يتحرك من خلال كل الأمم، جعل الشعب البريطاني أكثر شعوراً بالخطر، لأنه من غير المنطقي أن يبقى نفس الاستعمار القديم صالحاً لهذا الظرف التاريخي الراهن، والأمر ينطبق على الأميركيين الذين أدركوا فداحة التصرفات الخاطئة، وقبل أن تستمر هذه التجاوزات جاء من يريد ايقافها وفق قوانين البلدين ومصالحهما.