إن المحنة التي يعيشها المبدع العربي، ليست هي الضائقة الإبداعية فقط بل أيضا ضرورة الاختيار بين مواقف متعارضة ومتناقضة وهي محنة واجهها الكثير من المبدعين في كل الثقافات وفي مختلف العصور غير ان محنة المبدع العربي تختلف في خصوصيتها لا لأنه كائن مختلف لا يخضع لتلك الشروط العامة التي تنتج عنها أية محنة بل تأتي خصوصية محنته من تلك العلاقة ذات الحساسية الخاصة بين حضارته والحضارة المهيمنة التي تحتكر توزيع القيم فتمنع وتمنح وتعترف وتهمش من لا تراه جديرا باعترافها على ضوء معاييرها.

من هنا جاءت خصوصية محنة المبدع العربي التي يعد نجيب محفوظ حالة من حالاتها فنجيب محفوظ الروائي المبدع الذي لم يحز روائي عربي آخر على ما حاز عليه من إعجاب ومن قراء ولم يؤسس ولم يضف غيره مثلما أسس. وأضاف هو إلى تقنيات الرواية المكتوبة بالعربية، يعد بلا شك جديرا كمبدع بجائزة نوبل قبل آخرين نالوها من أبناء الثقافات الأخرى، ومع ذلك وبسبب تلك الخصوصية فإن الشروط المطلوب توفرها في أولئك لم تكن هي المطلوب توافرها في نجيب محفوظ وفي ذلك تكمن المحنة التي تتمثل في عدة وقائع لا يمكن تجاهلها بالنسبة لأي مبدع عربي.

أولها: هو ان الغرب لا يزال هو القيم على التوزيع العالمي للقيم فمن يثمنه الغرب ويعتبره قيمة عالمية وكونية فإنه يصبح كذلك ومن يتجاهله يسقط في الهامش كيف ما كان جوهره الحقيقي.

ثانيا: طبيعة العلاقة التي ربطت بين الحضارتين عبر الجغرافيا والتاريخ والاقتصاد والاستراتيجية منذ أكثر من ألف سنة، جعلت ما يريده الغرب من المبدع العربي مختلفا عن كل ما يريده من أي مبدع من أبناء الحضارات الأخرى، فما يريده من نجيب محفوظ ليس هو ما يريده من ماركيز اللاتيني او من سونيكا الإفريقي، ذلك ان معايير التقييم التي على ضوئها يجري انتشال المبدعين من ظلمة أطراف العالم إلى قمة المركز الغربي المضيء هي ليست معايير إبداعية فقط بالنسبة للمبدعين العرب بل تتعداها إلى معايير أخرى أكثر أهمية بالنسبة للغرب فدلالة مصطلح الغرب تحمل مفهومين كليهما فاعل ومؤثر في الواقع العربي.

أولهما: هو مفهوم الغرب السياسي الذي يحيل إلى شبكة معقدة من المصالح السياسية الثقافية والاقتصادية الاستراتيجية ذات الطبيعة الاستتباعية البالغة الحيوية بالنسبة للغرب والفاعلة بشكل لا نظير له في الواقع العربي منذ عدة قرون.

ثانيهما: مفهوم الغرب الثقافي الذي يعني مجتمعا له مفاهيم وقيم ومبادئ ورؤية للآخر معظمها مختلف ولا يلتقي مع تلك القيم والمفاهيم التي تؤطر وتقود الحياة الاجتماعية في مجتمع المبدع العربي، بل يحتفظ الغرب الثقافي بصورة نمطية عن هذا المجتمع تدور في إطار التعصب بمختلف معانيه إلى جانب التخلف والدروشة ومعاداة التجديد المصحوبة بغرابة الأطوار وانعدام الفاعلية.

هذان المفهومان لا يفلت من محاكمتهما احد سواء كان نجيب محفوظ أو من كانوا قبله أو من سيأتون من بعده من المبدعين العرب إلى أن تتغير معادلة العلاقة، غير ان هذا المفهوم يخضع لمعاييره نسبيا إبداعات كل أبناء الحضارات الأخرى بالتالي تظل مهادنته من قبل المبدع العربي الطامح إلى الانضمام إلى نخبة الإبداع العالمية المعترف بها غربيا، أمرا مقبولا في ظل ظروف معينة ويمكن التعاطي معه حسب مقدرة المبدع على المحافظة على خصوصيته.

ودون التماهي والاستجابة المطلقة للشروط والمعايير المتبناة من قبل الغرب الثقافي بينما تظل الإشكالية الحقيقية للمبدع العربي دون غيره تكمن في التعامل مع مفهوم الغرب السياسي، فهذا المبدع القادر على المنافسة من اجل الانضواء في النخبة العالمية يلزمه أن يجتاز امتحانين فلا يصطدم بأي من المفهومين.

لو كان نجيب محفوظ مبدعا من أبناء الثقافات الأخرى لنال جائزة نوبل قبل الزمن الذي نالها فيه بوقت طويل، لأن موهبته وإبداعاته لا تقل عن الكثيرين من الذين نالوها قبله ولكن محنة العلاقة بين الغرب والعرب جعلت مثل هذه الحقيقة تتأخر وتنتظر إلى أن حدث زلزال سياسي في العالم العربي قلب رأسا على عقب كل ما هو متعلق بتلك القضايا فقد كانت اتفاقية كامب ديفيد التي يدعمها الغرب السياسي والغرب الثقافي على حد سواء، منعطفا تاريخيا خطيرا لم تعد بعده المنطقة مثل ما كانت قبله.

كاتب ليبي