إحدى النتائج الإيجابية لانتصار المقاومة الإسلامية في لبنان أنها هزت بعض القناعات الراسخة في العقلية الإسرائيلية مثل أن الجيش الإسرائيلي قادر على ردع أي عدوان من قبل الدول العربية المحيطة بإسرائيل لذلك ليس هناك من يجرؤ على بدء العدوان عليها، وأن الزمن في مصلحة إسرائيل لأن الفارق في التقنية العسكرية يزداد بين إسرائيل وجيرانها العرب.

خاصة سوريا التي ما زالت تتربص بإسرائيل، وأن الدول العربية «المعتدلة» ستجد أن مصلحتها وعلاقتها بأميركا تجبرها مع مرور الزمن لإنشاء علاقات طبيعية مع إسرائيل مثل ما فعلت مصر والأردن وقطر وتونس والمغرب وموريتانيا دون أن تضطر إسرائيل للتنازل عن شروطها أو الانسحاب من كل الأراضي المحتلة.

ولكن إسرائيل فوجئت في الحرب السادسة بأن أداء جيشها كان الأسوأ منذ قيام الدولة العبرية مع أنه لم يواجه جيشاً نظامياً كبيراً يمتلك معدات عسكرية ضخمة من الطائرات والدبابات والمدافع الثقيلة والبوارج الحربية.

ووجدت أن أداء حزب الله الذي أجبرها من قبل على الانسحاب من جنوب لبنان في عام 2000م قد تحسن كثيراً في معداته وتكتيكاته وخططه ومعلوماته بالإضافة إلى روحه القتالية العالية، ووجدت أن الأنظمة العربية «المعتدلة» التي راهنت عليها سرعان ما تراجعت عن نقدها لحزب الله وبحثت عن مخرج ينقذ ماء وجهها أمام التأييد الكاسح الذي لقيه حزب الله بين العرب والمسلمين، وأن القوى المعادية لها في فلسطين وسوريا وإيران ازدادت ثقة بنفسها وأصبحت أكثر جرأة على مقاومة الاحتلال الصهيوني لأراضيها.

واكتشفت إسرائيل أن التأييد غير المحدود الذي تلقاه من أميركا ليس مفيداً لها في كل الأوقات فان التلكؤ الأميركي في إصدار قرار من مجلس الأمن بوقف إطلاق النار حتى يتمكن الجيش الإسرائيلي من دحر ميليشيا حزب الله لم يكن في مصلحتها لأنه كشف عورة ذلك الجيش الذي عجز عن التقدم في الأراضي اللبنانية كما عجز عن حماية المواطنين الإسرائيليين في المدن والقرى الشمالية فنزحوا بمئات الآلاف جنوباً طلباً للأمن.

وفي أعقاب الحرب بدأت المناكفات الداخلية بين القوى السياسية المختلفة التي تريد تفسيراً لهذه النكسة العسكرية غير المتوقعة ومعرفة المسؤول عنها، وطالبت بعض القوى السياسية والعسكرية باستقالة رئيس الوزراء ووزير الدفاع ورئيس هيئة أركان الجيش.

في هذا المناخ غير المعهود في إسرائيل بدأت بعض الأصوات العاقلة تنادي بأن الوقت قد حان لتغيير استراتيجية الردع والعنف والاحتلال إلى استراتيجية السلام والتعايش والاندماج مع الجيران العرب. ومن هذه الأصوات العاقلة المقال المتميز الذي كتبه آفي آزريلي في جريدة الهيرالد تربيون الدولية بتاريخ 30 أغسطس الماضي بعنوان «جاء الوقت لأن تنصهر إسرائيل في مجتمع الشرق الأوسط»، والكاتب ضابط في جيش الدفاع الإسرائيلي وينحدر من أسرة يهودية عاشت طويلاً في بلاد الشام.

قال آزريلي مبرراً دعوته لاستراتيجية جديدة إن الأهداف التي أنشئت من أجلها إسرائيل لم تتحقق حتى الآن ولن تتحقق عن طريق سياسة الردع والعنف والاحتلال السارية حالياً.

قال إن مؤسس الحركة الصهيونية الحديثة، ثيودور هيرزل، كان يحلم بوطن آمن لليهود يقبل كل يهودي يلجأ إليه وليس وطناً منغلقاً على نفسه ضد الآخرين، ولم تكن القوى الدافعة لأولئك المؤسسين أحلاماً تخليصية من أجل تحقيق نصوص دينية معتقة بل حفزتهم براجماتية اشتراكية لإيجاد مأوى آمن من العداء القاتل للسامية الذي انتشر في أوروبا ولتعويض اليهود عن التشتت في أنحاء العالم (ديسبورا) بإقامة حكم ذاتي لهم يقوم على الديمقراطية والمساواة.

وقد فشلت إسرائيل في تحقيق الهدفين فهي أكثر بلاد العالم خطراً على اليهود وأجهضت فيها الديمقراطية بتأسيس حكم عسكري لمدة ثلاثين عاماً على السكان العرب في الأراضي المحتلة في فلسطين والجولان، وبمعاملة العرب الإسرائيليين مواطنين من الدرجة الثانية.

وقد أطفأت الحرب الأخيرة الأمل في السلام وفتحت الباب لحديث قاتم عقيم عن حرب أبدية مع الشعوب العربية لأن كراهيتهم لإسرائيل أصبحت مرضاً مستعصياً لا بد أن نعيش معه أو نموت به!

يقول الكاتب إن النخبة الاشكينازية (اليهود الغربيين) المؤسسة لإسرائيل قولبتها على نموذج الثقافة الغربية مما أسهم في ازدهار الدولة الجديدة اقتصادياً وتقنياً ولكنه جعلها نشازاً في محيط جيرانها العرب بالمنطقة، ومن سوء الحظ أنها لعبت في الماضي دور المحطة المتقدمة للغرب ضد الاتحاد السوفييتي حليف العرب وتريد أن تصبح الآن بؤرة المواجهة مع إيران.

لا بد لإسرائيل أن تصهر نفسها في محيطها العربي بدلاً من التمسك بنموذجها الغربي، ولن يكون تغيير النموذج لبلد محاصر مثل إسرائيل أمراً سهلاً، فاحتضان ثقافة العدو أمر مربك إن لم يكن بغيضاً إلى النفس، لكنه ضروري وممكن!

لتذكر إسرائيل أن من يحيطون بها ليسوا فقط أعداء اليوم ولكنهم أيضاً الجيران الذين ينبغي معايشتهم في ذات المنطقة المضطربة من العالم على المدى البعيد. ولكن هل يمكن للعالم العربي أن يقبل دولة يهودية في وسطه؟ يقول إذاً تركنا جانباً بعض المتطرفين من المسلمين فإن المجتمع العربي قبل تقليدياً وتاريخياً التعددية الدينية والعرقية، هناك ملايين العرب غير مسلمين وملايين المسلمين غير عرب.

وهناك الكثير من المجموعات الدينية والعرقية التي ازدهرت ونشطت في أوساط العالم العربي أمثال الدروز والأكراد والأقباط والمسيحيين واليهود، والإسلام نفسه عرف تعدد المذاهب بين السنة والشيعة. واليهود على وجه الخصوص كانوا في يوم ما بارزين في السياسة والقانون والطب والتجارة في كل أنحاء العالم العربي، وقد ألف العلماء اليهود تراثاً ضخماً من الدراسات والمؤلفات الدينية والفلسفية والعلمية في البلاد العربية مثل الفيلسوف ميمون وناخمان ويوسف كارو والشاعر الكبير ابن عزرا وقد كتب التلمود نفسه في أرض العراق.

لقد بدأت مشكلة اليهود في العالم العربي عندما ظهرت الحركة الصهيونية الجديدة واعتبرها العرب نوعاً من الاستعمار الأوروبي لبلادهم، ثم بدأت هجرة اليهود من البلاد العربية إلى إسرائيل واضطر هؤلاء للتخلي عن لغتهم وثقافتهم العربية لأن النخبة الأشكينازية الحاكمة احتقرتها واعتبرتها مظهراً للتخلف، وكانت تلك هي الخطيئة الأساسية التي ساهمت في جعل إسرائيل الجرح الملتهب في المنطقة.

يقول الكاتب ان اندماج إسرائيل في العالم العربي وقبول شخصيتها كإحدى دول الشرق الأوسط سيجعل من الصعب النظرة إليها كشيطان في المنطقة، وسيتوج مجهودها بصورة العضو الأصيل في تلك المنطقة وتنتشر بذور العلاقات الشخصية التي ستمتد إلى المجالات السياسية والأيديولوجية والتي من شأنها أن تعكس في نهاية الأمر تيار العداوة الهدامة.

وسيكتشف العرب بمرور الزمن أن الإسرائيليين المقاتلين هم أصحاب عاطفة دافئة كأصدقاء، وبذلك يكونون أقيم حلفاء لهم بدلاً من أعداء دائمين. ويقترح الكاتب لتحقيق الاندماج والانصهار في دول الشرق الأوسط الخطوات التالية:

1ـ التسوية السلمية لنزاعات الحدود مع الجيران العرب.

2ـ نشر اللغة العربية بين كل المواطنين اليهود وجعلها شرطاً لدبلوم المدارس العليا وللوظائف الحكومية ولكل التخصصات المهنية، وتقديم برامج في الإذاعة والتلفزيون موازية باللغة العربية، وكتابة كل الوثائق الحكومية والاقتصادية باللغتين العبرية والعربية. ورغم أن العربية هي اللغة الرسمية الثانية إلا أنها ما زالت مهمشة في الدوائر الحكومية. وأن تنتقل إسرائيل من اللغة إلى الثقافة لتفهمها وتستوعبها، وأن تدخل في حوارات مكثفة مع الشعوب العربية لتفهم طموحاتهم واحباطاتهم.

3ـ وبما أن 20% من سكان إسرائيل الحاليين هم من العرب الفلسطينيين فعلينا أن نقوم بدمجهم في المجتمع بإعطائهم تمثيلاً في المجالس التشريعية وتوظيفاً في الأجهزة التنفيذية والقضائية، وأن تكون الخدمات الاجتماعية والمرافق العامة في الأحياء والمناطق العربية مثل تلك التي في أحياء ومناطق اليهود.

قد يكون الشعور الغالب في إسرائيل بعد النكسة في الحرب الماضية هو الإحباط والمرارة والاستعداد لجولة دموية قادمة، ولكن الكتابات الجريئة والتصريحات الثاقبة التي تدعو لمراجعة الخبرة السابقة والسياسات القديمة تدل على وعي جديد أتوقع أن يزداد في الفترة القادمة، والذي يمسك بهذا الاتجاه من السياسيين سيشكل قيادة المستقبل في إسرائيل.

كاتب سوداني