أعلن وزير الخارجية الفنلندي اريك تومييوي انه إذا كان الاتحاد الأوروبي جادا في مساعيه لإحلال السلام في الشرق الأوسط، فلابد أن يقيم اتصالات مع حركة «حماس»، ويفتح مع قياداتها حوارا حول كافة تفاصيل التسوية السلمية.
وأضاف الوزير الفنلندي أن حركة «حماس» لم تعد كما كانت قبل انتخابات البرلمان الفلسطيني، وأن تغييرات جذرية قد طرأت على سياسات الحركة منذ توليها السلطة في الأراضي الفلسطينية، واعتبر اريك تومييوي أن قرار الاتحاد الأوروبي بضم حركة «حماس» إلى قوائم المنظمات الإرهابية قد جاء نتيجة لضغوط أميركية وإسرائيلية، وأضاف انه لابد من التعامل مع كافة أطراف الصراع المؤثرين، باعتبار أن هذا هو السبيل الوحيد لأيجاد تسوية سلمية قابلة للتنفيذ في المنطقة.
وتجدر الإشارة إلى أن وزير الخارجية الفنلندي كان قد تقدم بمشروع بيان في بداية الحرب اللبنانية-الإسرائيلية اعتبر حاد اللهجة، حيث تضمن المطالبة بالإيقاف الفوري للقصف الإسرائيلي، إضافة لانتقادات قاسية للسياسة الإسرائيلية، مما دفع بقية أعضاء الاتحاد الأوروبي لإجراء تعديلات كبيرة على المقترح الفنلندي، ليصبح مقبولا من كافة الأعضاء.
وتأتى تصريحات الوزير الفنلندي على أعتاب لقاء وزراء خارجية الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، ويمكن القول إن هذه التصريحات تعبر عن استيعاب لنتائج الحرب اللبنانية ـ الإسرائيلية، إذ إنها تكشف عن إدراك الدبلوماسية الفنلندية لعملية تهميش الدور الأوروبي، وإفشال محاولاته لإحلال السلام في الشرق الأوسط.
وتعكس التصريحات الأوروبية صحة الموقف الروسي الذي تعامل منذ البداية مع المعادلة الواقعية للأزمة الشرق أوسطية، وانطلاقا من أن وصول حركة «حماس» إلى السلطة كان عبر انتخابات شرعية وديمقراطية، لم يكن تجاهلها سلوكا منطقيا.
وإذا اختلفت الآراء حول تأثير ونفوذ الحركة على مسار تسوية الأزمة خلال فترة تولي فتح السلطة، فإن وصول «حماس» إلى السلطة كان لابد أن يحسم الخلاف لصالح ضرورة التعامل معها، خاصة وأن قيادات الحركة أبدت مرونة نسبية في مواقفها السياسية تجاه التسوية فورا تولية مقاليد السلطة الفلسطينية.
حيث أعلن خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» فور وصوله إلى العاصمة الروسية، أن المشكلة التي تعترض المفاوضات تتمثل في المواقف الإسرائيلية المتشددة، التي أدت إلى تجميد مشروع (خارطة الطريق) من خلال اعتراضاتها على أغلب بنود المشروع، وأضاف أن حركته مع السلام واستمرار المفاوضات.
ولم يعترض على مواقف موسكو حول أهمية التزام الحكومة الفلسطينية بالتعهدات والاتفاقات الدولية الموقعة من قبل السلطة الفلسطينية، والتي تضمنت الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، والبدء في تنفيذ خارطة الطريق من أجل بناء الدولة الفلسطينية المستقلة التي تقبل بمبدأ التعايش السلمي مع إسرائيل.
وقد أثارت هذه الزيارة آنذاك ردود أفعال مختلفة وانتقادات حادة من مختلف أطراف المجتمع الدولي، بينما أعربت بقية أطراف منظمة التحرير الفلسطينية عن سعادتها بنجاح روسيا في لجم الغرب الذي أصيب بصدمة بعد إعلان نتائج الانتخابات البرلمانية الفلسطينية. وأعربت إسرائيل عن استيائها من دعوة بوتين، واعتبرتها خنجر في الظهر.
وقد انطلق الكرملين من أرضية واضحة في دعوته لحركة «حماس»، وهى أن هذه الحركة لا تدخل ضمن قوائم الإرهاب لدى الحكومة الروسية وإنها تمثل ـ وفق نتائج انتخابات البرلمان ـ اختيار الشعب الفلسطيني ويجب احترام هذا الاختيار، وحرصت موسكو على إيضاح موقفها للولايات المتحدة وإسرائيل والاتحاد الأوروبي، واعتبرت أن محادثاتها مع حماس يمكن أن تستقطب الحركة لاحترام القرارات الدولية واتفاقات رباعي الوسطاء الدولي.
وقد حذر رئيس وزراء روسيا السابق يفجينى بريماكوف مؤخراً من التمادي في عزل حركة «حماس» والحكومة الفلسطينية، واعتبر انه إسرائيل عاجلا أم آجلاً ستضطر لفتح حوار مع قيادة الحركة، وأضاف انه لا يعتبر حركة «حماس» منظمة إرهابية، وأنها بدأت نشاطها في الأراضي الفلسطينية كمنظمة خيرية، بل وتلقت الدعم والمساعدة من بعض الجهات الحكومية الإسرائيلية، على أمل تكون في مواجهة منظمة التحرير الفلسطينية.
وإذا كان الموقف الروسي يأخذ بعين الاعتبار الفارق الجوهري بين الحركة الإسلامية المتطرفة التي تسعى باستخدام الإرهاب لفرض ايديولوجياتها المتباينة بالرغم من أن مصدرها الوحيد هو الشريعة، وحركات التحرر الوطني التي تنتمي لأيديولوجيات مختلفة بدء من الإسلام إلى القومية والعلمانية. فإن أوروبا التي تجاهلت هذا الفارق بدأت تدرك خطأها.
لأن منظمات على غرار حزب الله وحركة «حماس» تتلاقى أهدافها الرئيسية مع اهداف حركات سياسية برلمانية في المنطقة العربية، بل إنها تلتقي مع المواقف الأوروبية التي تطالب بتطبيق قرارات الشرعية الدولية واحترام حق الشعب الفلسطيني في العودة وتقرير المصير وبناء دولته المستقلة، وهذا هو السبب في تنامي القاعدة الشعبية لهذه المنظمات ووصولها إلى البرلمان وحصولها على مقاعده في حكومات بلدانها.
وهي بالضرورة لابد أن تختلف في سياساتها على المنظمات الأخرى المتطرفة والتي تسعى لفرض رؤيتها الأيديولوجية بالقوة وباستخدام الإرهاب، وهذا الاختلاف ليس فقط لاعتمادها سبل العمل السياسي الديمقراطي، وإنما أيضا لأنها تدافع عن قضية وطنية تلزمها بالتعامل والحوار مع كافة القوى والأطراف التي يمكن أن تتعاون معها لتحقيق المصالح الوطنية، وأي ابتعاد عن هذه السياسة سيفقدها مصداقيتها وقاعدتها الجماهيرية.
ومن جهة أخرى أدركت الدول الأوروبية أن عدم وجود صلات مع حركة حماس وحزب الله، خاصة بعد الحرب اللبنانية-الإسرائيلية يعني إخراجها بشكل كامل من الشرق الأوسط، وإنهاء نفوذها ومصالحها، ويمكن الولايات المتحدة عبر علاقاتها مع إسرائيل من الانفراد بالتحكم في شؤون المنطقة وفق مصالحها دون مراعاة لمصالح بقية أطراف المجتمع الدولي. وبما انه يصعب على أوروبا وروسيا أن تقيم علاقات شراكة وتحالف لتحقيق مصالحها في الشرق الأوسط، سيكون الحل في هذه الحالة هو إقامة صلات مع بقية أطراف الصراع، لتتوفر للأوروبيين ورقة ضغط تمكنها من الحفاظ على نفوذهم.
والسؤال المطروح اليوم، هو أن موسكو التي أدركت إبعاد هذه المعادلة منذ البداية وسارعت لإقامة صلات مع القوى المؤثرة في الشرق الأوسط، متى تنوي أن تضع رؤيتها للتعامل مع هذه القوى، والانتقال من مرحلة القلق والمطالبة لمرحلة التأثير في مسار الأحداث؟ لأن النوايا الأوروبية يمكن أن تسحب البساط من تحت أقدام الكرملين، وتسبقه للقيام بإجراءات مؤثرة، إذا نجحت في إقامة صلات مع حركة «حماس» وحزب الله.
مركز دراسات الطاقة ـ روسيا