مفكرون وسياسيون وكتاب كثيرون في العالم العربي يطالبون حكوماتهم ليل نهار باعتماد الديمقراطية نظاما للحكم في بلادهم، بدءا بإرساء المبدأ الديمقراطي باتفاق القوى الوطنية، ومرورا بإطلاق الحريات، وإشاعة ثقافة الديمقراطية في المجتمع، ونهاية بوضع التشريعات وبناء المؤسسات وتحديد الآليات وضبط الممارسات، وفى النهاية سلامة الانتخابات.
وفى مقابل تنظيرات النخب الثقافية والسياسية تؤكد حكوماتنا ليل نهار عبر وسائل إعلامها المسموعة والمقروءة والمرئية تمسكها بالديمقراطية، وتصف كل إجراء تتخذه بأنه إنطلاق من المبادئ الديمقراطية أو تطبيق لها، وتقدم شهادات مختلفة أو مختلقة لإقناع، الداخل أو الخارج، أيهما أهم، لا يهم، ان حياة مجتمعه أصبحت ديمقراطية في ديمقراطية، بل إن أحدهم كشف للشعب سرا لم يتمكن الشعب من أن يكتشفه بنفسه بعد، وهو أنه يعيش الآن بالفعل أزهى عصور الديمقراطية!
ويبدو أننا لم نتفق بعد شعوبا ومفكرين وحكومات في هذا العالم على مفهوم محدد للديمقراطية، وهل هي وسيلة أو غاية، وهل هي نظرية أم آلية، وهل لها مرجعية أم هي بذاتها هي المرجعية، مما جعلها ثوبا فضفاضا يتيح لكل طرف أن يدعي أنه المدافع عنها أو المحقق لها..
بينما يثور الجدل بين أطراف العملية الديمقراطية بأن تلك النظريات أو التطبيقات، وهذه التشريعات أو الممارسات ليست هي الديمقراطية، وأن ذلك كله خداع للنفس أو خداع للناس والتفاف عليها، إما بتغييب لأهدافها أو بتقييد لوسائلها، أو بتطبيق شكلي يفرغها من مضمونها، أو بتزييف لإرادة شعبها.
ولأن التعريفات متعددة، والقوانين الساعية إلى تطبيقها مختلفة حتى بين النظم الديمقراطية في العالم، فليس غريبا أن يثور الجدل بين الأطراف، كل حسب مرجعيته وحسب رؤيته حول مدى المصداقية في التعاطي معها، وبالتالي أصبح لدينا العديد من التجارب التي تدعي لنفسها الفهم والتطبيق السليم للديمقراطية..
لكن ومع ذلك كله، فإنه لا يكاد يكون هناك خلاف كبير بين الجميع على أن مضمونها هو في تصور سهل هو «أن يكون الشعب هو مصدر السلطات، وهو الذي يحكم نفسه بنفسه لنفسه مباشرة أو من خلال نوابه، بالشكل الذي تتفق عليه قواه الوطنية المختلفة، بإرادة حرة وفقا لهويته الثقافية وواقعه الاجتماعي».
ومن هنا نتج اختلاف المفاهيم للديمقراطية في العالم باختلاف الخصوصيات والقيم الثقافية، والمرجعيات الأخلاقية، كما نتجت التطبيقات المتعددة من تعدد طبيعة التوازنات الطبقية، والعلاقات الاقتصادية والواقع الاجتماعي لكل شعب من الشعوب بما أوجد مثلا أكثر من مئة قانون انتخاب، وعشرات الدساتير التى تحدد شكل مؤسسات الحكم، وطريقة انتقال السلطة التنفيذية.
ومدى سلطات الحاكم ومدى مسؤولياته في المقابل، وأكثر من عشرات الأشكال من القوانين المنظمة لصلاحيات (السلطة التشريعية) في الرقابة على (السلطة التنفيذية) وتشريع القوانين التى تنظم علاقات قوى المجتمع، أو المحددة لضمانات استقلال ونزاهة (السلطة القضائية) وأكثر منها تلك المطلقة أو المقيدة لحرية الصحافة أو لما يسمى (السلطة الرابعة)، بينما هي في الواقع قوة تأثير في الرأي وليست سلطة عليه كباقي السلطات الثلاث الأخرى.
والعالم العربي ليس استثناءً من هذا الاختلاف والتعدد، في البعد أو القرب من الديمقراطية كما عرفناها، والقبول بها كآلية أو كمرجعية، أو الرفض لها والاستعاضة عنها بنظم أخرى تتوافق مع قيمها الثقافية أو تركيباتها الاجتماعية لتحقيق نفس الأهداف، أو الوقوع تحت نظم استبدادية لا تحترم الشورى ولا الديمقراطية ولاتأبه بالإرادة الشعبية وتقبض على السلطة بالأدوات العسكرية والأمنية، وليس بالوسائل الدستورية والسياسية.
في النهاية.. تبقى للديمقراطية أشكالها التى تدل عليها من احترام حق الوصول للسلطة وفقا للآليات الديمقراطية، وحرية تداول السلطة وفقا للقواعد الدستورية، وتحديد الفصل مع تحقيق التوازن بين السلطات الثلاث، مع إعلاء الإرادة الشعبية بكل وسائل ومؤسسات ونقابات وجمعيات المجتمع على كل السلطات، وكفالة حرية التعبير مع مسؤولية هذا التعبير عن كل ما يضير الفرد أو المجتمع.
وأهم عنصر في ذلك كله هو وضع التشريعات والقواعد والآليات والضمانات لإجراء انتخابات أو استفتاءات نزيهة بآليات محايدة بمشاركة كل القوى السياسية أيا كانت مرجعياتها الفكرية دون إقصاء أو تشويه أو تشكيك..
وذلك بوضع قانون للانتخابات عادل ومتوازن ومتوافق عليه لا يستثني أحداً في ممارسة حقوقه السياسية سواء بالترشيح دون شروط تعجيزية أو بالتصويت دون ترهيب بدني أو ترغيب مالي، في اختيار نائبه أو حاكمه على كل المستويات بحرية كاملة وتحت إشراف كامل للسلطة القضائية بسيادة واستقلال كامل بما يكشف بشفافية عن الإرادة الشعبية الحقيقية.
غير أن هناك بعض الخلط في المفاهيم بين مفهوم الحرية ومعنى الديمقراطية لأنه قد توجد مظاهر للديمقراطية بينما لا توجد مضامين حقيقية للديمقراطية، ومثلا قد توجد طوابير انتخابية أو حرية إعلامية دون أن يدل ذلك على وجود الديمقراطية ذلك أنها لا تعني الحرية بل تعني سيطرة الشعب على القرار الوطني بالقدرة على توجيهه لكي يكون في صالحه، مع توفر كل شروط امكانية حرية الاختيار وليس جبرية الاضطرار.
بينما يبقى أهم جوهر للديمقراطية وأوضح مضمون هو إعلاء هذه الإرادة الشعبية فوق كل إرادات السلطات والأحزاب والأفراد، ليكون الخيار في النهاية خياره بالنسبة لحكامه ونوابه ودستوره ومؤسساته، ولا يصدر القرار الوطني إلا وفقا لإرادته سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا.
بما يضمن لكل فرد من أفراد المجتمع حقوق المشاركة بنصيب عادل في السلطة الوطنية وفى الثروة القومية، وبما يحقق للجميع الحقوق الإنسانية المعترف بها في المواطنة المتساوية أمام قانون عادل يحمي الأمن والحرية والكرامة.
كاتب مصري
mamdoh77t@hotmail.com