حركة دبلوماسية أوروبية ناشطة وغير عادية مقارنة مع السنوات الماضية برزت في خضم الحرب على لبنان. حركة تجلت في دبلوماسية المؤتمرات، روما، لوقف الحرب على لبنان أو على الأقل للتوصل إلى هدنة، واستوكهولم الأولى لمساعدة لبنان واستوكهولم الثانية لمساعدة فلسطين.

حركة تجلت أيضا في باليه دبلوماسي شهدته العواصم المعنية في المنطقة من خلال زيارات متكررة ومتنوعة لوزراء ومسؤولين أوروبيين، ثم المشاركة الكبيرة في اليونفيل الجديدة من طرف قوات أوروبية.

المشاركة التي أعطت إشارات سياسية لالتزام أوروبي بدور يتخطى المهام «الفنية» المباشرة لليونفيل. كما حملت تلك المشاركة رسالة واضحة حول قبول أطراف النزاع لا بل ترحيبهم بهذا الدور «الغربي» ولو لأسباب مختلفة.

حركة ناشطة إذا تذكرنا أن أوروبا كانت غارقة في دبلوماسية التوسع الأخير منذ مايو 2004 واستيعاب تداعياته مثقلة بذلك، وأن أوروبا كانت ومازالت مرتبكة بتوقف عملية البناء الأوروبي بعد التصويت السلبي على مشروع الدستور الأوروبي في فرنسا في مايو 2005.

كما انه والأهم منذ أحداث 11 سبتمبر والهجوم الدبلوماسي الأميركي على الشرق الأوسط الحامل لعنوان هندسة تغييرية طموحة وخطيرة تراجعت أوروبا عن دور الحد الأدنى الذي كانت تقوم به ليندرج بعضها بفعالية وبعضها الآخر بهدوء في الإستراتيجية الأميركية الجديدة.

ولو بقي بعض التمايز والاختلاف مع واشنطن على مستوى الخطاب الخافت والخجول في «المسألة» الإسرائيلية العربية ولو ظهر بالأمس بعض الخلاف بين واشنطن وبعض الأوروبيين حول العراق. خلاف طويت صفحته بعد تلك الحرب. يظهر الحماس الأوروبي بشكل خاص عند «الكبار».

فرنسا تحاول تنشيط دورها التقليدي من خلال النافذة اللبنانية. بريطانيا بلير تحاول لأسباب أكثرها داخلي تفعيل دورها وإظهار تمايزه عن سياسة اللحاق بواشنطن. ألمانيا ميركل تحاول التأكيد أن هنالك استمرارية للدور الألماني في المنطقة أيا كان العنوان الإيديولوجي للطرف الحاكم ثم ايطاليا برودي العائدة بقوة للعب دورها التقليدي بعد التخلص من ارث بيرلسكوني الذي أخذها بعيدا في أطلسيته، تحاول العودة لتأكيد دورها كقوة أوروبية أساسية.

مسببات خمس تشكل قيودا على أي رغبة أوروبية في لعب دور سياسي منها غياب الإستراتيجية السياسية المشتركة، وغياب الرؤية المشتركة للأولويات في الشرق الأوسط عند الدول الأعضاء، والبحث دائما عن توافق الحد الأدنى بين رؤى وأولويات وطنية متعددة، الأطلسة الزائدة لبعض الأوروبيين الجدد وعدم وجود اهتمام خاص عندهم بالشرق الأوسط أو محاولة الإطلال على المنطقة من خلال النافذة الأميركية.

ضعف المؤسسات الأوروبية التي يفترض أن توفر الاستمرارية والمتابعة والوجود الملموس خارج أوروبا، غياب الانسجام على مستوى البيروقراطية ككل بسبب اختلاف التجارب والخلفيات والمصالح مما يثقل ويبطئ بالتالي من عملية صنع القرار ومن المرونة المطلوبة له في التنفيذ.

ثم كما اشرنا سابقا الانشغال في الداخل الأوروبي وضغوطاته على حساب الخارج وتحدياته خاصة أن لكل طرف أوروبي «خارجه» الأساسي. البعض يراه جنوبا شرق أوسطيا والبعض الآخر يراه شرقا أوروبيا وروسيا.

لكن هنالك أيضا أسبابا خمسا وراء هذه اليقظة الأوروبية، أسباب جاذبة لا بل ضاغطة لعودة الروح لدور أوروبي:

أولا، حدود القدرة عند الدبلوماسية الأميركية والسياسة الأحادية لواشنطن وحاجة واشنطن المتزايدة إلى دبلوماسية تعددية بسبب عدم قدرتها على تسوية ملفات أساسية تزداد اشتعالا وخطورة في المنطقة.

ثانيا، حدود القوة العسكرية الإسرائيلية التي ترفض الدبلوماسية وتراهن على القوة فتزيد الأزمات تأزما وتوترا مفتوحا على مخاطر تطال الجميع.

ثالثا، حالة التوتر والحروب الصغيرة، المنتشرة في المنطقة، التي يجمع بين أزماتها غياب آفاق التسوية والتي تهدد بمزيد من الانفجارات تطال مصالح أوروبا.

رابعا، ازدياد منسوب الراديكالية الدينية في المنطقة وانتشاره وتشعر أوروبا بشكل خاص بوطأة ذلك بسبب الجغرافيا و «الاجتماع» الأوروبي وتشعر بالتالي بمخاطر حصول صدام بين العالمين الغربي والإسلامي كما تحذر من ذلك دائما الدبلوماسية الفرنسية. خامسا، العودة إلى تقليد إخراج واشنطن من الحفرة عبر دور الحد من الخسائر وملء الفراغ وامتصاص الصدامات لسياسات لم تكن أوروبا وراء بلورتها.

هنالك فرص عديدة في الملفات المشتعلة في المنطقة تدعو أوروبا لدور لا ينتظر منه «تحريك الجبال» وتسوية هذه الملفات وحدها. ولكن يمكن لهذا الدور الناشط تحريك التسويات والمساهمة في تحفيزها إذا اتسم بالصرامة والوضوح والاستمرارية وبالتالي المصداقية. يمكن لهذا الدور أن يكون دورا استكشافيا في جانب منه لبلورة التسويات الممكنة والمطلوبة ودورا تحريضيا لضرورة التسوية في الملفات المأزومة ودورا مسهلا وضامنا في مواكبة التسويات ومشجعا لها من خلال توفير الحوافز المطلوبة.

ولكن الأهم دور منخرط بشكل مباشر ومستمر وعلى مستوى عال في دبلوماسية التسوية في الملفات المشتعلة في المنطقة من الخليج إلى البحر المتوسط. هذا هو التحدي المطروح أمام ما يبدو انه بوادر ليقظة أوروبية.

كاتب لبناني