لا يوجد شعب في عالمنا المعاصر تخلى المجتمع الدولي عن الدفاع عن حقوقه سوى الشعب الفلسطيني الصامد الذي يئن تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي لقرابة ستة عقود متواصلة. هذا الشعب منه من تشرد وأجبر على ترك دياره تحت تهديد المذابح الصهيونية التي ترتكب منذ أربعينات القرن الماضي حتى الآن، ومنه من تحول إلى سجين مدى الحياة داخل قريته أو مدينته التي حولها الإسرائيليون إلى معتقلات مغلقة غير مسموح لمن يعيش بداخلها أن يخرج منها تحت سمع وبصر حماة الشرعية الدولية.
ما نقوله ليس تجنيا على المجتمع الدولي أو من يفترض أنه راعي العدالة والقوانين الدولية والمواثيق الإنسانية. إنها الحقيقة التي كشفت عنها أمس صحيفة الاندبندانت البريطانية وهي تتحدث عن مأساة الفلسطينيين في صفحتها الأولى بالكامل وتحت عنوان «شعب خذله العالم».
بشجاعة ونزاهة، انتهزت الصحيفة المتزنة التي يعرفها العالم بمصداقيتها وموضوعيتها، مناسبة الزيارة المرتقبة لرئيس وزراء بريطانيا توني بلير إلى فلسطين المحتلة غدا، لتكشف عن تفاقم معاناة الفلسطينيين في قطاع غزة والتي وصفتها بأنها مأساة تجاهلها العالم.
ما ذكرته الصحيفة في تقريرها الإنساني المثير عن شعب فلسطين، يكشف حقيقة المأساة التي يغفلها العالم. ففي غزة 5 ,1 مليون فلسطيني، ثلثهم يعيشون في مخيمات لجوء، يواجهون الموت يوميا. اعتداءات إسرائيلية متواصلة.
وحصار خانق يستهدف تجويع واذلال شعب كل جريمته أنه يدافع عن حقوقه المشروعة والتي نصت عليها مقررات الأمم المتحدة بدءا من القرارين 181 و 194 المتعلقين بإنشاء دولة فلسطينية وحق عودة اللاجئين إلى ديارهم، ومرورا بالقرارين 242 و338، ونهاية بما تسمى خارطة الطريق التي أقرتها اللجنة الرباعية الدولية الممثلة في الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا.
ترسانة من القرارات الدولية ومشاريع السلام التي لا حصر لها، والفلسطينيون تزداد معاناتهم وآلامهم، ويصم العالم أذنيه وكأنه لا يريد أن يسمع أنين أطفالهم ونسائهم.
لقد صارت غزة على سبيل المثال وكما قالت الاندبندانت البريطانية أفقر منطقة على شواطئ البحر المتوسط، حيث يبلغ متوسط دخل المواطن الفلسطيني أقل من 700 دولار سنويا، في حين يصل دخل الإسرائيلي أكثر من 20 ألفا. والأكثر من ذلك أن ثلثي أبناء غزة تحولوا إلى جيش بائس من العاطلين عن العمل، مما يؤكد رغبة وتلذذ إسرائيل بتطبيق سياستها الإجرامية في تجويع ومحاصرة بل واعتقال شعب بأكمله.
غزة، كما وصفتها الاندبندانت تموت بفعل الحصار المحكم، مجتمعها دمر بأكمله. أوقفت إسرائيل نشاط القطاع التجاري، إلى درجة أنها منعت صيادي الأسماك الفلسطينيين من الإبحار إلى الشاطئ بحثا عن أرزاقهم.
الواقع الذي رسمته الصحيفة البريطانية، نأمل أن يلمسه توني بلير القادم إلى فلسطين المحتلة غدا والذي عبر الفلسطينيون أمس من خلال عريضة نشرتها صحفهم عن استيائهم من موقفه المنحاز لإسرائيل في جميع الظروف التي ساهمت في فرض الحصار الإسرائيلي عليهم.
ان الأوضاع تتدهور. وصدق العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني في حديثه لمجلة تايم، عندما حذر من أن العالم سيكتب عليه أن يشهد سنوات من العنف في الشرق الأوسط إذا لم يبذل جهدا كبيرا بحلول عام 2007 لحل الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني.