بقدر الاعجاب الكبير الذي يحظى به الحراك الديمقراطي، وما تشهده الساحة اليمنية هذه الأيام من نشاط وتفاعل خلاق على طريق إنجاز الاستحقاق الانتخابي القادم والمتمثل في الانتخابات الرئاسية والمحلية، فإن ما يؤخذ على عملية الدعاية الانتخابية التي تجاوزت نصف الفترة المخصصة لها هو ذلك الخطاب الذي جنح في اتجاه مغاير للأهداف والغايات المحددة أصلاً في قانون الانتخابات والذي كفل لكل المرشحين الحق في إقامة المهرجانات الجماهيرية لما من شأنه تقديم برامجهم الانتخابية وعرض تصوراتهم وتوجهاتهم على الجمهور على نحو مباشر وعبر وسائل الإعلام الرسمية.
فالحقيقة أن ما أبداه بعض المراقبين والمتابعين من ملاحظات حول ذلك الخطاب الذي يركز على الماضي أكثر من الحاضر ويغلب عليه المناكفة السياسية والحزبية عن تقديم الأفكار التي تعكس رؤية المرشح لمختلف القضايا السياسية والاقتصادية والتنموية التي يبني عليها الناخبون قناعاتهم، هي ولاشك ملاحظات جوهرية ينبغي النظر إليها بعين الاعتبار لكونها قد كشفت عن قصور يمكن لنا تجاوزه من خلال ترشيد الخطاب الانتخابي وإخراجه من شرنقة المكايدة وتبادل الاتهامات خاصة وأن هذا الأسلوب لا يمكن أن يعود بأية فائدة أو مصلحة على أصحابه لكونه الذي يضفي طابعاً لا يعبر عن نضج سياسي أو منهجية واضحة يستطيع من خلالها الناخب التعرف بدقة على توجهات هذا المرشح أو ذاك.
وبالتالي فمن الانصاف ألاّ نبخس أنفسنا أو نقلل من عظمة التحول الديمقراطي الذي نعيشه أو نستهين بحالة الإكبار التي يبديها الآخرون لتجربتنا الديمقراطية بدافع الرغبة في خلط الأوراق والاستفادة السلبية من الحضور الإعلامي في الانتقاص من الآخر وتشويه صورته باعتبار أن مفاهيم كهذه لا يمكن وصفها بالذكاء أو التذاكي إذ أنها تضر بأصحابها أكثر مما تنفعهم.
وعليه فإن من الأجدى والأصوب أن يتم توظيف هذه الفترة لتكريس مبدأ التنافس الشريف من خلال البرامج، وأن يتجه الجميع لاستغلال الحراك الديمقراطي في ما يعزز قيم الديمقراطية الحقة ويعمق وعي الجماهير بقواعد الممارسة الصحيحة لحقوقها الدستورية باعتبارها صاحبة المصلحة في تجذير التحولات الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة.
وبلاشك فإن بلوغ هذه المقاصد يتطلب من كل الأطراف الحزبية والسياسية الارتفاع إلى مستوى المسؤولية والإدراك العميق أن اللعبة السياسية أو الديمقراطية لا تفترض الدخول في سباق من التنابز والقفز على الثوابت والانجرار وراء بعض الأهواء والنوازع الضيقة وتصفية الحسابات الحزبية التي تصبح فيها العملية السياسية «لعبة قذرة» حسب وصف المستشار الألماني الأسبق بسمارك، وذلك ما نربأ بتجربتنا عن الوقوع فيه.
وبعد كل ذلك فليس مطلوباً منا أن ندخل في تفسير النوايا أو من هو حق ومن هو على باطل لأن مثل هذا التصنيف هو مسألة تخص الناخبين.
ولكن فإن ما يهمنا هنا هو تذكير الجميع بأن التعاطي السلبي مع أسس الديمقراطية وجوانب التنافس الانتخابي ستكون له انعكاساته الوخيمة على الوطن والمجتمع.
ومن الحكمة أن يحل التعامل الواقعي والمنطق المسؤول محل الخطاب المنفلت والمتشنج الذي لا يترك وراءه سوى الغبار المتطاير في الهواء، فضلاً عن عوامل التأزيم لمناخات الاستحقاق الديمقراطي القادم الذي نتمنى أن يشكل إضافة نوعية في مسيرة التألق اليماني.