ربما تنتظر إسرائيل من المجتمع الدولي تقديم عربون شكر وتقدير على قرارها الأخير بفك الحصار التعسفي الظالم الذي كانت تفرضه على لبنان ضاربة عرض الحائط بكل المواثيق والقرارات الدولية، بما في ذلك قرار مجلس الأمن 1701. فإسرائيل دأبت، منذ تأسيسها بشكل غير شرعي، على اتباع سياسة ذر الرماد في العيون بغية تشويه الحقائق.

لقد كان الفشل الإسرائيلي الذريع في تحقيق الأهداف المعلنة وغير المعلنة لحربها العدوانية التي شنتها ضد لبنان وراء اتخاذ قادة إسرائيل، ولأسباب داخلية وإقليمية وخارجية، مجموعة من الإجراءات والإدلاء بعدد من التصريحات التي من شأنها أن تجذب انتباه الشارع الإسرائيلي والعالمي وتحوله عن حقيقة الإخفاق العسكري الإسرائيلي.

فعلاوة على أهداف إسرائيل المعلنة من الحرب والتي تشمل القضاء على حزب الله أو نزع سلاحه واغتيال قادته واسترجاع الأسيرين الإسرائيليين، كانت إسرائيل تهدف إلى زعزعة الوحدة الوطنية اللبنانية ودفع الوضع المتأزم إلى حرب أهلية تؤدي في النهاية إلى تحقيق الحلم الإسرائيلي القديم بتقسيم لبنان إلى كانتونات طائفية صغيرة ضمن فدرالية هشة تديرها حكومة ضعيفة لا تجد مفراً من توقيع اتفاقية استسلام مع إسرائيل على غرار اتفاق 17 مايو الذي أسقطته القوى الوطنية اللبنانية بعد غزو لبنان في الثمانينات من القرن الماضي.

فشل إسرائيل في تحقيق أي من هذه الأهداف أفقدها هيبتها وقوة الردع التي تمتلكها، ولذلك حاولت تشويه الواقع بفرض حصار يظهرها بمظهر المنتصر الذي يستطيع فرض شروطه على الأرض بعد انتهاء المعركة. لكن خوفها من قيام بعض الدول العربية والأجنبية بتحدي الحصار وخرقه جعلها تسرع إلى إعلان إنهاء الحصار شرط تولي قوات دولية مهمة مراقبة السواحل اللبنانية، وهو أمر كانت الأمم المتحدة مسبقاً قد أعلنت عن نيتها تنفيذه.

وفي الداخل الفلسطيني والإسرائيلي عمدت إسرائيل إلى إعلان نيتها توسيع المستوطنات القريبة من القدس المحتلة على أمل أن يكسبها ذلك جزءاً من تأييد الشارع الإسرائيلي الذي بدأ يفقد ثقته بهذه الحكومة وقراراتها الرعناء التي تسببت في إيقاع خسائر فادحة في الجيش الإسرائيلي والبنية التحتية الإسرائيلية على يد "مجموعة إرهابية صغيرة" على حد تعريف القيادة الإسرائيلية لحزب الله.

وبالإضافة إلى ذلك شرع أولمرت إلى إطلاق التهديدات بأن إسرائيل ستستخدم كل قوتها الضاربة في حال نشوب صراع مسلح مع سوريا، وكأن سوريا كانت تأمل أن تستخدم إسرائيل مخزونها من الحنان والعطف في حال نشوب مثل هذا الصرع، بدلاً من القنابل الانشطارية والعنقودية والفوسفورية وغيرها من القنابل المحرمة دولياً التي استخدمتها في حربها على لبنان.

وفوق هذا كله، هناك مؤشرات على أن إسرائيل ربما تكون متورطة في محاولة الاغتيال الفاشلة التي تعرض لها أحد كبار ضباط الاستخبارات اللبنانية والذي لعب دوراً بارزاً في كشف شبكات التجسس الإسرائيلية الأخيرة على أمل أن يؤدي ذلك إلى اتهام سوريا بحجة أن هذا الضابط يلعب دوراً أساسياً أيضاً في التحقيق في قضية اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري.

المهم الآن ألا يسمح لإسرائيل بتحقيق ما فشلت في تحقيقه عن طريق القوة العسكرية، وأن يحافظ اللبنانيون على وحدتهم وأن تلعب الدبلوماسية العربية والإعلام العربي دوراً هاماً في فضح سياسة إسرائيل في ذر الرماد في العيون.