لا يبدو أن زيارة الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان إلى إيران ولقائه بالرئيس الإيراني احمدي نجاد قد نجحت بتقريب وجهات النظر بشأن القضايا التي تجمع إيران بالمنظمة الدولية .حيث إن المحادثات الثنائية قد أفرزت الشعور بتمسك إيران بخيارها النووي الذي تعتبره مشروعا وعادلا .

بل وانه حق من حقوقها الذي لن يثنيها عنه إجماع الدول الكبرى في مجلس الأمن على ضرورة فرض عقوبات على إيران. بل ولن يثنيها حتى التهديد الأميركي وغرابة الموقف الإيراني الذي يجعلنا نحس ان إيران في توق إلى أن تنفذه الولايات المتحدة خاصة وان حرب لبنان قد سلمت الولايات المتحدة رسالة بليغة عن مدى نفوذ إيران أمام النفوذ الأميركي في المنطقة.

والملاحظ أن كوفي عنان لم يركز كثيرا في موضوع الملف النووي الإيراني بقدر تركيزه على الملفات الأخرى التي جاءت معه واكتفى عنان بالتصريح بأن إيران عبرت عن استعدادها لإيجاد حل لبرنامجها النووي المثير للجدل لكنها ترفض تعليق أنشطته قبل المفاوضات .

وهو أمر يمكن ارجاعة إلى انه يدرك بان هذه القضية تدار باستراتيجيات الولايات المتحدة وليست ضمن حدود دورة المرسوم من قبل القوى الكبرى. هدف الجولة الشرق أوسطية التي يقوم بها الأمين العام للأمم المتحدة هو أيضا الحصول على تأييد الأطراف الأساسية في أزمة لبنان بخصوص القرار 1701.

ولكن هذا القرار فيه مداخل متعددة ويبدو ان كلا من الاطراف الأساسية في الأزمة قد اختارت المدخل الذي يناسبها لتعلن توافقها فيه مع الأمين العام للأمم المتحدة فلا ترده بالتالي خالي الوفاض فسوريا أعلنت انها تتفق مع الأمم المتحدة بشأن منع وصول السلاح إلى حزب الله .

اما إيران فإنها أعلنت أنها تتفق مع الأمم المتحدة وقرار 1701 بشأن وحدة الأراضي اللبنانية وإعادة بناء لبنان .وأمام القضيتين السابقتين لا شئ يثير الحيرة في زيارة الأمين العام ولكن الحيرة والدهشة جاءت مع القضية الثالثة التي جاء كوفي عنان يناقشها في إيران وهي معرض الكاريكاتير الدولي الذي تقيمه إيران عن موضوع المحارق النازية لليهود.

هذا الموضوع لم يناقشه الأمين العام للأمم المتحدة فحسب بل واظهر جميع عبارات وملامح الاستنكار الشديد والألم والغضب الذي نادرا ما يظهر في تصريحات الدبلوماسي الأول مهما بلغت الخطوب واهتزت القلوب. ألم يكن أجدى بالأمين العام أن يظهر نصف تلك المشاعر أمام مذابح اليهود للقرى اللبنانية والتي تسود أمامها وجوه المجتمع الدولي .

الا تثير مذابح لا تزال دماؤها رطبة على الأرض العربية في لبنان وفلسطين والعراق غضب كوفي عنان كما أثارت ذلك الغضب رسوم كاريكاتورية لقضية يدور حولها نقاش كبير ولم تحسم بعد وقائع هذه القضية من وجهة نظر كثيرين.

عموما ، عنان جاء ليحكم في قضايا الشرق الأوسط التي لم تتفاقم لولا ضعف الدور الذي تقوم فيه المنظمة الدولية في حل النزاعات وفشلها في التحكيم بين الخصوم بل وانها قد تدخل كخصم في هذه القضايا كي تعطي غطاء الشرعية الدولية لمخططات الولايات المتحدة وحلفائها .

وبالتالي فان دور الأمم المتحدة بات مفهوما وقابلا للاختراق وليس من المنطق ان يطالب احد باحترام أحادي الجانب لدور المنظمة الدولية وقراراتها خاصة وان كوفي عنان ومن سبقه قد أدوا الأدوار نفسها في ما يخص القضايا العربية ودفعها نحو مزيد من التعقيد والتداخل وإيصال البعض منها إلى حد الكوارث الجسيمة .

دور الحكم غير القادر على اتخاذ الحكم او الخصم القادر على حل خصومة الذي تؤديه المنظمة الدولية خاصة في قضايا الشرق الأوسط لم يعد يجدي ..فالقضايا حاسمة ونتائجها كارثية وبالتالي إما أن تؤدي الأمم المتحدة دورا حقيقيا ومؤثرا وإما أن الوقت قد حان لنناقش في دور المنظمة وأهمية بقائها خاصة وان الفاعلين الدوليين لم يعودوا دولا فحسب

بل ان هنالك اليوم دورا حاسما لمنظمات أضحت أدوارها مستقلة عن ادوار الدول التي تمثلها .وبالتالي اذا لم يكن هناك آليات دولية جدية وفاعلة فالانهيار والفوضى لن يهددا مستقبل الأمم المتحدة بل سوف يهدد آليات وقواعد القانون الدولي.