إلى أين تتجه الأوضاع في إقليم دارفور؟ هذا هو السؤال الأهم الذي يطرحه ليس فقط السودانيون المعنيون أكثر من غيرهم بهذه القضية، بل يطرحه أيضا المراقبون في العواصم التي تتابع الشأن السوداني بصورة مباشرة أو حتى غير مباشرة. فالحكومة السودانية رفضت بشدة قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1706، والذي يطالبها بنشر نحو عشرين ألف جندي تابعين للأمم المتحدة في إقليم دارفور بدعوى ((وقف عمليات القتل والاغتصاب وفرض الأمن وحفظه في الإقليم)).
القراءة المتأنية للقرار الدولي الأخير تشير إلى صلاحيات واسعة سوف تعطى للقوات الدولية لفرض الأمن وحفظه في اقليم دارفو، وهي صلاحيات ترى فيها حكومة البشير تدخلا مباشرا في شؤونها الداخلية، وانتقاصا واضحا لسيادتها على أرضها.
واذا كان الرفض الحكومي للقرار 1706 جاء صارما وواضحا، ومن المفترض ان يلقى ذلك إجماعا داخليا، فان الأهم الآن هو القراءة الدقيقة للسيناريوهات المتوقعة لهذا الرفض. فالسلام في اقليم دارفور الذي تعادل مساحته مساحة فرنسا أصبح الآن مطلبا دوليا وليس شأنا محليا أو اقليميا، الأمر الذي يحتم على نظام البشير التعامل بروية مع كل خطوة وقراءة النتائج التي يمكن أن تترتب عليها بدقة.
وإذا كانت الأوضاع الداخلية في السودان تبدو صعبة لاعتبارات كثيرة، فان الدخول في مواجهات جديدة يعد سلاحا ذا حدين، فقد توحد هذه المواجهات الجبهة الداخلية لتتحدث بلغة موحدة لسان حالها يقول إن دفع الخطر الخارجي له الأولوية على ما عداه من قضايا، وقد يكون العكس صحيحا.
في ضوء هذه الصورة للأوضاع في اقليم دارفور الذي يشهد صراعا عرقيا أدى إلى مقتل أكثر من 300 ألف شخص وتشريد أكثر من مليونين آخرين منذ عام 2003، يبقى التساؤل: إلى أين تتجه الأوضاع في هذا الاقليم، وما هي السيناريوهات المتوقعة إذا ما أصرت الحكومة على موقفها الرافض لنشر قوات دولية على أرضها؟
احد السيناريوهات المطروحة في أروقة الأمم المتحدة تتحدث عن فرض عقوبات اقتصادية على السودان، فيما تشير أخرى إلى إمكانية تنفيذ القرار 1706 بالقوة بغض النظر عن موافقة الخرطوم عليه.
وإذا كانت الولايات المتحدة قد وضعت كل ثقلها لإصدار القرار المذكور بكل ما فيه من ظلم وإجحاف بحق السودان، فإنها بالتأكيد ـ ومن خلال أوراق الضغط التي تملكها على الدول الأعضاء في مجلس الأمن ـ قادرة على استصدار قرار جديد من المجلس يستند إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة والذي يجيز استخدام القوة.
وبغض النظر عن دوافع واشنطن من وراء هذا القرار وأطماعها في أفريقيا، ونظرتها القديمة إلى السودان باعتباره (إحدى دول محور الشر)، فان نظام البشير مطالب الآن بدراسة البدائل المتاحة، والأوراق التي يملكها لمواجهة متطلبات المرحلة المقبلة وفى مقدمتها دعم وحدته الداخلية والاستماع إلى وجهات نظر الأحزاب السياسية الأخرى وإشراكها في صنع القرار،
خاصة أن نتائجه ستنعكس بالتأكيد سلبا أو إيجابا على جميع فئات الشعب السوداني بغض النظر عن الطيف السياسي الذي ينتمي إليه. كما يمكن لنظام البشير أيضا التعاون مع قوات الاتحاد الافريقي في دارفور وتسهيل مهمتها وتحسين الأوضاع في هذا الاقليم من خلال دعم مشروعات التنمية فيه،
وقبل هذا وذاك الاستماع إلى وجهات نظر الاطراف الأخرى التي تشارك في الحوار، ومحاولة دمجها فيه لكسب تأييدها في مواجهة أي خطر خارجي ربما أضحى للكثيرين وشيكا.
haniihanii@hotmail.com