أصبح الانترنت اليوم وسيلة العصر والأداة الإستراتيجية المحورية في كل مجال من مجالات حياة المنظمات والأفراد. نجد هذه الأداة الإستراتيجية في التجارة وفي السياسة وفي التعليم وفي التربية وفي الرياضة وفي الثقافة وفي الإعلام وفي الدبلوماسية والقائمة قد تتسع باتساع حجم مجالات الحياة.
ففي الواقع جاءت الثورة الاتصالية لتكرس تفوق الشمال على الجنوب ولتزيد الأغنياء غنى والفقراء فقرا. فالثورة الاتصالية أدت إلى ظهور ما يسمى بالصناعات الثقافية هذه الصناعات التي غمرت العالم بإنتاجها وأدت بذلك إلى توحيد الرؤية والفكر حسب المعطيات والمبادئ والقيم التي يفرضها صاحب السلطة والجاه والمال.
والإشكالية المطروحة في الثورة الاتصالية هي أن الدول الصغيرة والفقيرة قد قدمت على شراء التكنولوجيا والوسائل والقنوات لتواكب التطور لكنها عجزت على إنتاج المعرفة والمادة الإعلامية التي توزع عبر هذه التكنولوجيات، وهكذا فإنها وجدت نفسها مضطرة إلى اقتناء البرمجيات والمادة التي تبث وتوزع عبر الوسائل والتكنولوجيات المختلفة.
والتناقض المطروح هنا هو أن هذه البرمجيات وهذه المادة التي تقبل معظم الدول في العالم على اقتنائها من حفنة من الشركات العالمية لإنتاج البرامج تحمل في طياتها قيما ومبادئ قد تتنافى وتتعارض مع قيم معظم الدول في العالم، وهذه السيطرة على الإنتاج تؤدي كذلك إلى عولمة الثقافة.
هذه الظواهر لم تأت هكذا بطريقة عفوية أو بطريقة بريئة وإنما هي نتيجة لشبكة من الميكانيزمات والآليات التي تتحكم فيها قوى خفية تسيطر على المركب العسكري الاقتصادي الاتصالي على المستوى العالمي. وهكذا تأتي الثقافة العالمية كجزء لا يتجزأ من النظام الدولي الجديد الذي تحاول الولايات المتحدة الأميركية في غياب القطبية الثنائية أن تفرضه على العالم وتتربع على عرشه بما يخدم مصالحها وأهدافها الإستراتيجية.
والثقافة العالمية في إطار النظام الدولي الجديد تحاول أن تقضي على الآخر، تحاول أن تقضي على الأقليات ، على الهويات على الثقافات الأصلية لمختلف الشعوب والحضارات ـ ظاهرة الإسلاموفوبيا ـ وهذا كما فعلت الثقافة الأميركية بثقافة الهنود الحمر في أميركا
أي تذويب مختلف الثقافات الموجودة في العالم في ثقافة واحدة تخدم بطبيعة الحال المركب العسكري الصناعي الاتصالي العالمي وتقضي على كل ما من شأنه أن يعترض المصالح والأهداف الإستراتيجية لهذا المركب.
وهكذا نلاحظ أن الهوة بين الدول المالكة لتكنولوجيا الاتصال وللصناعات الثقافية والدول المستهلكة سواء للتكنولوجيا أو لمحتواها تزيد عمقا يوما بعد يوم ولصالح الحفنة القليلة التي تهيمن وتسيطر وتفرض ما يحلو لها وما يخدم مصالحها وأهدافها.
وهكذا فإن ظهور المجتمع المعلوماتي في الربع الأخير من القرن العشرين يرفع تحديات كبيرة وهامة أمام دول الجنوب حيث ضرورة إعادة النظر في السياسة الاتصالية ووضع إستراتيجية إعلامية تقوم على التكوين والدراسات والأبحاث والإنتاج.
فالحل الوحيد أمام دول الجنوب هو التكتل والإنتاج المشترك، فالاتحاد الأوروبي مثلا أنشأ أورونيوز بهدف التصدي للغزو الثقافي الأميركي وبهدف نشر الثقافة الأوروبية والهوية الأوروبية. إن القمر الصناعي العربي ولو أنه يعتبر نجاحا تكنولوجياً هائلا يحسب للعرب إلا أنه لم يستغل كما ينبغي ولم يعمل على تكريس الثقافة العربية ونشرها حتى على مستوى الدول العربية.
فالحل إذا يكمن في وضع سياسة اتصالية وإعلامية تقوم على أسس علمية وعلى معطيات ودراسات على مستوى كل دولة، ثم التفكير في توحيد الصفوف ووضع إستراتيجية اتصالية وإعلامية على مستوى الدول وهذا لمواكبة المجتمع المعلوماتي وحتى لا يبقى العرب يعيشون على الهامش يستقبلون ولا يرسلون.
التساؤل الذي يجب أن نقف عنده هنا هو هل تتوفر لدى الجميع إمكانية الحصول على جهاز كمبيوتر وخط هاتفي ومبلغ مالي للاستفادة من خدمات الإنترنت، ثانيا ولو فرضنا أن الجميع ينعم بخدمة الإنترنت، هل ما يقدم في الإنترنت محايد وعلمي ويخدم الجميع بنفس الدرجة؟
فبالنسبة للتساؤل الأول وبالنسبة لدول الجنوب أو الدول النامية فالمشكل مطروح بحدة حيث إن في العديد من هذه الدول يعاني الفرد الكثير في تدبير رغيفه اليومي فما بالك بالإنترنت، ففي هذه الدول مقولة إن الإنترنت سينشر الديمقراطية ويعمل على تطوير المشاركة السياسية أمر مازال بعيد المنال.
فقد تستفيد الدول النامية على الصعيد المؤسساتي من خدمات الإنترنت أما على الصعيد الخاص والفردي فالنخبة البرجوازية والنخبة المثقفة القليلة هي وحدها التي تستفيد من التكنولوجيا الجديدة، وهذا يعني أن الإنترنت سيعمق الهوة بين الذي يملك والذي لا يملك. بالنسبة لمحتوى الإنترنت
فالأمر لا يخرج عن القاعدة، فصاحب التكنولوجيا وصاحب الصناعة الثقافية يفرض وجوده وسلطته على الوسيلة الذي اخترعها وسيطر عليها. فالإنترنت شئنا أم أبينا اختراع أميركا غير بريء ويعمل على خدمة الأقوى والأكثر إمكانيات ماديا وفكريا ومعنويا.فالحلم إذا بأن الإنترنت هو مفتاح لحل العديد من المشاكل وتوطيد الممارسات الديمقراطية في المجتمعات النامية مازال بعيد المنال.
ما حدث وما يحدث على مستوى المعلومات على الصعيد الدولي هو سرعة وغزارة المعلومات بدرجة كبيرة جدا لا يستطيع أن يتصورها العقل البشري كما أنه من ناحية القدرات العقلية والفكرية لا يستطيع أن يتحكم في الكم الهائل من المعلومات المتوفر لديه وقد يؤدي هذا الخلل
والتناقض الكبير إلى عدم التفرقة بين ما هو مهم وما هو غير مهم، ماذا يجب أن نقدم للآخرين، وما هو مفيد وما هو غير مفيد.كل هذا يعني أن الإنسان أصبح يهتم بالسرعة وبالكم وأصبح يتفنن ويبدع في التكنولوجيا على حساب الاهتمام بنوعية المعلومات.
الإنترنت وتكنولوجيا الاتصال والعولمة الاقتصادية أمور تصب في إناء واحد وهو التوجه نحو القضاء على التعددية والاختلاف الثقافي، أي التوجه نحو الذوبان الثقافي أو على حد تعبير ولفجونج ساكس «التبخر الثقافي» أو «الانجراف الثقافي» والتوجه نحو العولمة الثقافية التي تؤمن بنظام قيمي موحد على المستوى العالمي.
هذه الآليات بطبيعة الحال ليست بريئة وإنما تخدم من يملك القوة والجاه والفكر كما أسلفنا سابقا. فالذي لا يصنع المعرفة ويعتمد على استهلاكها محكوم عليه بالخضوع وبالتبعية.و الإنترنت ما هو إلا صيغة من صيغ الوسائط التكنولوجية المتطورة التي تنقل الثقافة الفاعلة (التي تقصي الثقافات الأخرى) وتجسد العولمة. هذا لا يعني أننا سنعزل أنفسنا عن العالم أو سنقاطع الإنترنت ،
المطلوب هو محاولة فرض الذات وفرض ثقافتنا عن طريق الالتحام والوئام والتكتل وعن طريق الإنتاج والإبداع والبحث العلمي وهذه الأمور لا تتأتى إلا بتحرير العقل وبتحرير الفرد العربي والإيمان بأن صناعة المعرفة والاستثمار في تعليم الفرد هما الركيزتان الرئيستان لكل تطور ونمو وتفوق.
كلية الاتصال
جامعة الشارقة