في مرحلة ما قبل أوسلو قال عرفات ذات مرة في إجابة عن سؤال بشأن احجامه عن إشعال حرب شعبية طويلة المدى داخل الأراضي المحتلة 2 على غرار الحرب الثورية الفيتنامية: مشكلتي الكبرى هي أنه ليس لدى هانوي.

هانوي عاصمة جمهورية فيتنام المستقلة كانت القاعدة الخارجية التي تنطلق منها الإمدادات عبر الحدود إلى التنظيم القتالي الثوري في الجنوب الفيتنامي الذي كان خاضعاً لاحتلال أميركي.الآن يتوافر للمقاومة الشعبية اللبنانية «هانوي» أخرى ممثلة في طهران بينما لا تزال المقاومة الفلسطينية المسلحة بلا هانوي.

هذا هو الدرس الأول الذي يمكن أن نستخلصه من نجاح «حزب الله» في إلحاق هزيمة حاسمة بإسرائيل رغم قوتها العسكرية الأسطورية. ذلك أن «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» الفلسطينية وفصائل المقاومة الفلسطينية الأخرى متاح لها منازلة الجيش الإسرائيلي وهزيمته لو كان لها مصدر عربي للإمدادات المنظمة.

لبنان ليس له حدود مشتركة مع إيران. ورغم ذلك فإن الجغرافيا السياسية خدمت المقاومة اللبنانية. فالأراضي السورية توفر معبراً لانتقال إمدادات السلاح والذخيرة والمال والأغذية إلى مقاتلي حزب الله في الجنوب اللبناني.

وصفوة القول ان التجربة القتالية لحزب الله مع الدولة اليهودية ـ مضافاً إليها التاريخ المخزي للحروب العربية مع إسرائيل على مستوى الجيوش النظامية ـ أثبت أن من الممكن تركيع دولة الاحتلال عسكرياً لو توفر دعم عربي كافٍ ومتصل ومنظم لتوسيع نطاق المقاومة الشعبية المسلحة على غرار النموذج اللبناني.

ويكفي أن ننظر في المشهد السياسي الإسرائيلي الحالي لنرى كيف أن الصمود القتالي لحزب الله على مدى 34 يوماً أدى إلى إشعال صراع مرير بين القوى السياسية الإسرائيلية حول من يتحمل المسؤولية عن الهزيمة.

كل القيادات الإسرائيلية على المستويين السلطوي والحزبي تقر بأنه لم يتحقق أي واحد من أهداف الحملة الضارية على لبنان. فالجيش الإسرائيلي فشل في كسر شوكة حزب الله، وفشل في محاولة إقصائه بعيداً إلى نهر الليطاني، وفشل في تحرير الجنديين الإسرائيليين المختطفين ـ وهو الهدف الأول للحرب.

ولكن على عاتق من تقع مسؤولية هذا الفشل الخطير؟

جميع القادة الإسرائيليين يتبادلون الاتهامات. الجنرال أودي آدم الذي قاد الحملة يتهم رئيس الوزراء أولمرت بأنه كان يصدر تعليمات متضاربة. ورئيس الوزراء يتهم بدوره وزير الدفاع وقادة الجيش بأنهم كانوا يطلبون منه إصدار أوامر متناقضة.

ثم إن وزير الدفاع ينتقد أيضاً رئيس الأركان متهماً إياه بأنه خلق توقعات بأن سلاح الجو قادر وحده على تدمير حزب الله دون حاجة إلى قتال بري.والجميع يتهمون الجميع بسوء التقديرات السياسية. فقد كان التقدير الاستخباراتي السائد أن الحرب على لبنان سوف تشعل غضباً شعبياً على حزب الله بينما العكس هو الذي حدث.

نقول إذن: «إذا كان فصيل مقاومة عربية واحد فقط نجح في إحداث ارتباك واسع النطاق في الساحة السياسية الإسرائيلية بعد إلحاق هزيمة كبرى بالدولة اليهودية فكيف يكون الحال لو كان متاحاً لفصائل المقاومة العربية الأخرى المشاركة الفاعلة في مقاتلة جيش العدو؟

ولكن: أين هانوي؟»