حملت الأيام الأخيرة إرهاصات تحرك عربي ناشط، إزاء التحديات المطروحة والأزمات الملتهبة في المنطقة. وتيرة الاتصالات واللقاءات والمشاورات، ارتفعت وحققت بعض الانفراجات والحلحلة. كما أنها كشحت بعض الغيوم، في سماء العلاقات العربية التي كانت قد شهدت حالة من الفتور؛ مؤخراً.
وإذا كان من الواضح أن التطورات الخطيرة التي عصفت في أكثر من ساحة عربية، هذا الصيف، هي التي فرضت هذا التحرك؛ فإن الواضح أيضاً، أن الاستجابة كانت ملحوظة، قياساً على حالة السبات التي كان الوضع العربي غارقاً فيها؛
ولفترة طويلة ولو أنه ـ التحرك ـ لا يزال بحاجة إلى المزيد من التزخيم والتفعيل في ضوء نواقيس الخطر النوعي، التي قرعتها تلك التطورات، البوادر ارتسمت. وقد تمثلت في عدة جوانب.
على صعيد لبنان، كانت حملة الدعم والتضامن، بعد وقف إطلاق النار، ملموسة وفعالة. توزعت على أكثر من صعيد؛ من حاجات الإعمار إلى حاجة فك الحصار عنه. الجهود أثمرت في رفع هذا الأخير، منذ مساء أمس الخميس. وبذلك تخفف البلد من إحدى الحلقات الخانقة للعدوان الإسرائيلي الأخير؛ عليه. شمولية التضامن كانت ملفتة. وكذلك مستواه وحجم الدعم.
على الصعيد الفلسطيني أيضاً كان هناك توافق، ولو مع تباين في الصيغة، حول موضوع عملية السلام والعزم على العمل لإعادة إحيائها؛ من خلال الأمم المتحدة. ففي ختام اجتماعات مجلس الجامعة العربية، على مستوى وزراء الخارجية تقرر نقل هذا الملف إلى مجلس الأمن الدولي ومطالبته بوضع آلية جديدة للمفاوضات؛
مع تحديد إطار زمني لها. وينطوي ذلك على نقلة مزدوجة: وضع العملية في عهدة الأمم المتحدة. أو على الأقل إدخالها على خط هذا التوجه؛ مع ما يعنيه ذلك من محاولة تدويل لمهمة اللجنة الرباعية، التي غابت عن شاشة رادار القضية.
والجانب الثاني للنقلة يتمثل في المطالبة بتحديد سقف زمني للعملية وذلك في محاولة لتطويق التملص الإسرائيلي، مع التهرب الأميركي من الالتزامات؛ وحرمان تل أبيب من ممارسة أساليب التحايل، الذي تتقنه والذي طالما لجأت إليه لإجهاض كافة الاتفاقيات والوعود والخرائط.
في هذه الحدود، يبدو أن هناك بوادر لتنشيط وتفعيل العمل العربي المشترك بل لإعطائه شحنة دفع أمامي. كما يبدو أن ذلك يعكس قناعة بأن المنطقة تسير باتجاه استحقاقات فاصلة؛ وبأنه من دون حد أدنى، على الأقل، من وحدة الصف العربي؛ فإن التداعيات المحتملة مرشحة لتشمل الجميع بسلبياتها وأكلافها. فهي تهدد المنطقة بكاملها. وهنا الجانب الإيجابي المشجع للحراك الأخير.
لكن السوابق تلقي بظلالها وتطرح أسئلة: إلى أي مدى يصل هذا التحرك وإلى أي مستوى؟ وهل هو من النوع الموسمي الذي يترافق مع الدورة نصف السنوية لمجلس الجامعة العربية؛ ومع اقتراب افتتاح الدورة العادية للجمعية العمومية للأمم المتحدة؟ أم أنه هذه المرة جاء من باب الاستجابة لظروف وتفاعلات، لا تخلو من التهديد، بدرجة أو بأخرى، للأمن القومي العربي؟
الذي لا يختلف حوله اثنان هو أن الرياح في المنطقة تنفخ بصورة تؤشر إلى اقتراب أعاصير هادرة من شواطئها؛ العاصفة أصلاً. واللملمة ـ أو محاولاتها ـ العربية الراهنة تؤشر هي الأخرى إلى مدى الإحساس بالحاجة إلى الاستدراك، من موقع الاستشعار بالمخاطر المحتملة. وليس أمام العرب من دفاع إلا التحصين الذاتي.