تتعدد منابع الخصوصية الثقافية وروافدها، ففيها من الدين الكثير، وفيها أيضا من الفلكلور والتقاليد والأعراف السائدة، وما يمكن اعتبارها، أو ما هي بالفعل «ثقافة خاصة» مسألة واسعة، فيها من الأشياء المادية، بقدر ما فيها من المعاني والأفكار والتصورات والرموز. وقد بذل البحث العلمي، لاسيما في مجال الأنثروبولوجيا والاجتماع، جهدا فائقا في تناول كل هذا بفروعه وتفاصيله، موضحا نصيب الدين فيه.

وأسهم الفقهاء وأصحاب الفتوى وأهل الذكر جنبا إلى جنب مع الباحثين والمفكرين والنقاد بمختلف ألوانهم ومشاربهم في الجدل الذي دار ويدور حول ما هو ثقافي إسلامي، بدءا بالأزياء والملابس وانتهاء بالأدب والفن.

وجاء الخطاب الفكري الإسلامي المعاصر، في تمسكه بالخصوصية الثقافية في وجه عولمتها، خطابا عاما، كغيره من الخطابات التي تصدت لهذه القضية وغيرها في سياق الأخذ والرد بشأن ما يسمى «النظام الدولي الجديد»، ثم «العولمة» وأخيرا ما نتج عن حدث 11 سبتمبر.

وهذه العمومية جعلت الخطاب الديني في هذه المرحلة أشبه بإعلان المواقف السريعة، بما يجعله قابلا للتغير مع تطورات الأزمة المستمرة، ويبعده عن التأصيل والتعمق الفقهي والفلسفي، الذي ميز هذا الخطاب في مراحل سابقة، وحول قضايا أخرى.

وما يستحق إمعان النظر، نظرا للجدة والجدية والأهمية، فهو رؤية هذا الخطاب للعولمة الثقافية مقابل خصوصيتها، في المجمل والكلي أو في الأصول والأسس، نظرا لأن العولمة تعنى بالسياسة والاقتصاد مباشرة، وتعطيهما أولوية على الثقافة،

والأخيرة إما أن تتحول إلى خادم للأهداف الاستراتيجية لقادة العولمة أو تأتي تابعا لتحولات سياسية واقتصادية في المجتمعات المحلية بفعل التأثير الكاسح للعولمة. وتفرض طبيعة الإسلام ذاته أن يكون له رؤية حيال العولمة الثقافية، وهذا مسألة يعترف بها المفكرون الغربيون أنفسهم فهاهو فيك جورج يقول: «الإسلام ليس دينا فقط بل طريقة للحياة أيضا،

مما جعل عديدا من المسلمين يعتقدون أن ضغوط الحياة الغربية التي تنتقل إليهم من خلال شبكات الاتصال الثقافية الدولية تمثل تهديدا للإسلام». بل يفصل جون بيليس وستيف سميث في تبيان ردود أفعال المسلمين الأولية على الثقافة الغربية التي حملتها العولمة بقولهما: «في منطقة الشرق الأوسط جرى التأكيد مجددا على القيم الإسلامية، بصفتها ظاهرة جماهيرية.

وسعت أنظمة الحكم الإسلامية في المملكة العربية السعودية وإيران إلى استبعاد الأخبار والأفلام وأشرطة الفيديو الموسيقية والأفلام من خلال حظر استقبال الإرسال التلفزيوني الفضائي. وبرزت مكانة المرأة في المجتمع، وعلى الأخص قضية الحجاب، بصفتها رمزا رئيسيا للإسلاميين، الذين يسعون لتعزيز مؤسسات المقاومة الثقافية، والسيطرة الاجتماعية».

لكن ردود الأفعال هذه ازدادت عمقا عقب حدث الحادي عشر من سبتمبر ومطالبة الولايات المتحدة الأميركية بتعديل مناهج التعليم الديني، وبالتبعية تغيير الخطاب الإسلامي حيال الغرب، بالتوازي مع مطالبة بتعزيز التحول صوب الديمقراطية،

بعد أن ربط التفكير الاستراتيجي الأميركي بين الإرهاب والاستبداد، الأمر الذي قاد إلى نقاش وجدل عميقين حول «الإصلاح» بما فيه الإصلاح الثقافي، الذي لا يقتصر على تنظيم الهياكل والإجراءات، بل يمتد إلى مجال القيم ذاته.

عند هذا الحد عاد جزء كبير من الحديث عن «الخصوصية الثقافية» والعولمة إلى مناقشة العموميات والمبادئ، حول القيم والنظم والعلاقة مع الآخر والهوية، خاصة مع استمرار أميركا في طرح مشروعات محددة لإعادة صياغة المنطقة على أسس جديدة.

وهنا وجدت قضية الخصوصية الثقافية نفسها موزعة على سبيلين، الأول هو أنها باتت جزءا من المقاومة الشاملة لهذه المشروعات وتلك الاستراتيجيات ذات الطابع الاستعماري، خاصة في ظل إدراك مفكري الإسلام وفقهائه لمآرب اليمين المسيحي المتصهين الذي وصل إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة.

أما الثاني فهو دخول هذا النوع من الخصوصيات ضمن النقاش العام حول تجديد الخطاب الديني، ليس استجابة لمطالب خارجية، ولا انصياعا لها، لكن رغبة في مواصلة الاجتهاد حول القضايا المستجدة، وتوسيع معالم ومدارك ومباحث «فقه الواقع»،

وهي مسألة متصلة منذ صدر الإسلام، ولا يمكن لمنصف أن يعزو ما ينتجه المتحمسون لهذا الاتجاه في الوقت الراهن إلى مواكبة المشروعات الأميركية، أو الانكسار أمامها. ورغم أن قضية «الخصوصية الثقافية» احتلت حيزا مهما من الخطاب الفكري الإسلامي المعاصر،

فإنها لم تشكل تحديا كبيرا للمسلمين في بلادهم، ففرض الثقافات بالقوة ثبت فشله، ولنا في تجربة الاتحاد السوفيتي السابق بالقرم والقوقاز وآسيا الوسطى عبرة وعظة. والمزاوجة بين غطرسة القوة المفرطة وتسريب القيم لم يفلح هو أيضا في إزاحة الثقافات المحلية أو التعمية عليها، والتجربة الأميركية الراهنة تقدم شاهدا جليا ودليلا دامغا على هذا.

لكن قضية الخصوصيات الثقافية باتت تشكل تحديا كبيرا بالنسبة للمسلمين المقيمين في بلاد الغرب، والذين يتمسك كثيرون منهم بخصوصياتهم إلى حد مذهل، وإلى درجة تضر أكثر مما تفيد، لأنها تمنعهم من التفاعل الخلاق مع البيئة المحيطة بهم، وهو أمر يشجع عليه الإسلام ذاته، سواء في نصه، أو في التجربة التاريخية للمسلمين الأوائل.

ويحتاج هؤلاء إلى خطاب فكري إسلامي أكثر قدرة على التعاطي مع واقعهم الجديد. وظني أن مثل هذا الخطاب إن اشتد عوده واستوى على سوقه سيمثل إضافة مهمة في حل الإشكالية القائمة بين «الخصوصيات الثقافية» و«العولمة»،

وقد يعيد في إطار «حوار الحضارات» طرح قضية «العالمية» بشدة، ليحض على التفاعل البناء والإيجابي بين أجزاء سكان الأرض برمتهم، من دون مآرب استعمارية تقوم على الاستغلال والنهب والاستعلاء.

د. عمار علي حسن