كيف ينظر النقاد الفرنسيون إلى نجيب محفوظ؟ ما هو حضوره في الساحة الثقافية الفرنسية؟
أولاً ينبغي القول بأن ترجمة أعماله إلى لغة موليير ابتدأت قبل حصوله على جائزة نوبل، ولكنها لم تنطلق فعلاً ولم تأخذ كل أبعادها إلا بعد حصوله على تلك الجائزة العالمية الشهيرة. فالثلاثية مثلاً ترجمت قبل الجائزة، وكذلك ميرامار، وزقاق المدق، واللص والطلاب.
أما معظم الروايات الأخرى فقد ترجمت بعدها كعبث الأقدار، وخان الخليلي، والقاهرة الجديدة، والسراب، وبداية ونهاية، وأولاد حارتنا، ودنيا الله، والطريق، والشحاذ، وثرثرة فوق النيل، والمرايا، وحكايات حارتنا، وملحمة الحرافيش، والحب فوق هضبة الأهرام، وليالي ألف ليلة، ويوم قتل الزعيم، وحديث الصباح والمساء، إلخ.
وسوف تصدر له عن دار «آكت سود» التي تهتم بالأدب العربي كثيراً، ويشرف عليها الباحث السوري فاروق مردم بك ترجمة منتظرة للمقابلات التي أجراها معه الناقد المصري المعروف رجاء النقاش، وذلك تحت عنوان: مذكرات أو ذكريات. وبالتالي فحضور نجيب محفوظ كبير في الساحة الفرنسية، أو قل إنه أكبر حضور لكاتب عربي. وهذا شيء طبيعي ومنطقي فهو أكبر كاتب عربي في هذا العصر بدون منازع.
ولكن هل يصل حضوره إلى مستوى حضور الكتاب العالميين الآخرين من أمثال غابرييل غارسيا ماركيز؟ لا أعرف أو بالأحرى لا أعتقد، ولا يعود ذلك إلى أن أديب أميركا اللاتينية أهم منه أو أكثر كونية وعالمية، وإنما إلى حقيقة أنه يكتب بلغة أوروبية هي الإسبانية،
هذا بالإضافة إلى عوامل أخرى تلعب دورها كالخلفية الثقافية والدينية والحضارية. وبالتالي فلا يمكن القول إن محفوظ وصل إلى مرتبة الكاتب الجماهيري الذي يقرأ في ميترو باريس مثلاً كما حصل لماركيز، ولكن حضوره مؤكد في الأوساط الثقافية التي تهتم بالأدب العربي، وتحاول التعرف عليه، وربما كان له جمهور واسع إلى حد ما.
وترى الناقدة نيكول شاردير أن نجيب محفوظ ليس حكواتياً شرقياً كما يحاول أن يوهمنا بعض الجهلة الذين يريدون التقليل من أهميته فينسبونه إلى تراث ألف ليلة وليلة فقط. وإنما هو كاتب عربي وعالمي في آن معاً.
والتراث الروائي الحقيقي الذي ينتمي إليه نجيب محفوظ هو تراث الأدب الروسي: أي تراث تولستوي، وغوغول، ودوستويفسكي. وكذلك كان للأدب الفرنسي تأثير عليه من خلال بلزاك ومارسيل بروست، هذا بالإضافة إلى كاتب أقل شهرة وأهمية يدعى: روجيه مارتن دوغار. ولكن محفوظ اعترف شخصياً بأنه معجب به ومدين له.
أما الباحثة اليزابيث فوتييه فقد كتبت في الموسوعة الكونية الفرنسية قائلة: إن نجيب محفوظ، كبقية كتاب جيله، كان مهموماً بالقضايا الكبرى التي تشغل العالم العربي: كقضية القومية والتحرر الوطني من الأجنبي، وقضية التحديث على مختلف الأصعدة والمستويات من مادية وفكرية أو قضية العدالة الاجتماعية إلخ..
والشخصيات الروائية لنجيب محفوظ نموذجية، ولكنها ليست نمطية جامدة وإنما هي ديناميكية متحركة ومتطورة مع الزمن. وهي تحمل رسالة متفائلة بالحياة. فالكاتب يعبر عن رؤيا تقدمية ضمن مقياس أنه يؤمن بالتطور ويعتبر ذلك أمراً حتمياً طال الزمن أم قصر.
وهذا ما عبر عن كاتبنا الكبير من خلال مقابلة أجرتها معه جريدة الحزب الشيوعي الفرنسي «لومانتييه» بتاريخ «19» ديسمبر من عام 2001: أي بعد ضربة «11» سبتمبر. فقد اعتبر أن مشكلة الحداثة هي إحدى المشاكل الأساسية للعالم العربي.
ولكنها مشكلة قديمة العهد وتعود إلى القرن التاسع عشر وبدايات العشرين. فالإمام محمد عبده كان يدعو إلى إصلاح الفكر في العالم الإسلامي وكان يفهم الدين بطريقة عقلانية، وسطية معتدلة لا علاقة لها بذلك الفهم المشوه والخاطئ للمتطرفين الذين انتعشوا مؤخراً بعد ان تراجع فكر محمد عبده النير.
ثم أردف الكاتب الكبير الراحل قائلا: ان الحداثة هي مسألة وقت بالنسبة للعالم العربي والإسلامي. وسوف تنتصر في نهاية المطاف، هذا شيء مؤكد.بالطبع هناك عراقيل وصعاب بل وتبدو الحداثة مهزومة عندنا في الوقت الراهن، ولكن كل هذا ليس إلا فاصلاً مؤقتاً وعابراً.
انه فاصل مزعج ولكننا سوف نتجاوزه، والدليل على ذلك هو ان مشكلة تعليم البنات لم تكن محسومة في بداية القرن العشرين، بل ان الأغلبية كانت ضد هذا التعليم، اما الآن فلم نعد نستطيع ان نحصي عدد الفتيات في المدارس والجامعات،
بل وأصبحن وزيرات وسفيرات وموظفات كبيرات وطبيبات ومهندسات.. إذن فعجلة التقدم سوف تواصل مسيرتها إلى الأمام ولا ينبغي على الغرب ان يعتقد أن العالم العربي كله أصبح أصولياً متطرفاً يرفض الحضارة والحداثة ومنطق العصر. هذه صورة خاطئة ومشوهة عنا وعن مجتمعاتنا ولكنها شائعة للأسف في أوروبا وأميركا الشمالية.
بالطبع فان نجيب محفوظ قال هذا الكلام لصحافي أجنبي لكي ينقل الصورة الصحيحة إلى فرنسا والغرب عموماً، ولكن هذا ما يعتقده أيضاً في قرارة نفسه، وهذا ما تتضح به كل أعماله، إنها تنضح بالرؤيا المتفائلة والأمل بالمستقبل العربي والمصري والإسلامي.
وأما السيدة ماري فرانسيس سعد فقد كتبت عنه دراسة جيدة تحت العنوان التالي: نجيب محفوظ: من ابن الشارع إلى الرجل الكوني، وفيها تقول بما معناه: انه لشيء مدهش ذلك المسار الطويل الذي أوصل ابن أحد الإحياء المتواضعة في القاهرة إلى جائزة نوبل والتكريس العالمي!
ولكن ينبغي الاعتراف بان شهرته كانت قد طبقت الآفاق في كل العالم العربي قبل حصوله على الجائزة، وكانت اعماله المفعمة بحب العدالة الاجتماعية والحرية الفردية قد وضعته على قمة الأدب العربي.
يضاف الى ذلك ان نجيب محفوظ استطاع تحقيق المعجزة التالية: ألا وهي التوفيق بين اللغة العربية الكلاسيكية ولغة الحياة اليومية وكان ذا أسلوب لغوي يقدح كالشرر ويشيع البهجة والفرح من حوله.
وكل من يتذوق اللغة العربية يعرف مدى جمال واشعاع أسلوب نجيب محفوظ، بل وجاذبيته المغناطيسية. وعن طريق هذه المعجزة اللغوية استطاع هذا الكاتب الفذ ان يصل إلى أوسع الجماهير من القراء العرب، ولكنه استطاع أيضا ان يصل إلى قراء الغرب والعالم كله بفضل نزعته الإنسانية الواسعة،
أليس هو القائل على لسان إحدى شخصيات روائيته الشهيرة أولاد حارتنا: اما ان تكون مسؤولاً عن البشرية كلها أو لا تكون! وبالتالي فهو يرتفع إلى مصاف الكبار من أمثال شكسبير، وتولستوي، وبلزاك، ودوستويفسكي.
- هاشم صالح -- كاتب سوري
باريس