يمكننا الإقرار بأن الدول العربية، تمر بمرحلة تصحيح لسياساتها الداخلية والخارجية، وإن تفاوتت بين إصلاحات جادة، وأخرى بطيئة، والسبب أن المناخ الدولي لم يعد يهتم بنزاعات عسكرية أو العودة للاستقطاب، والدولتان الوحيدتان المهيأتان بالدخول بهذه القضايا الدقيقة والحساسة أميركا وبريطانيا، وقد يكون لهما تقييم خاص، يتفق مع مصالحهما.
قضية السلام في المنطقة دخلت أنفاقاً مظلمة، تعددت الأماكن والخرائط والقرارات والنتيجة ضياع فرص، وتقلص دور الدول العربية بسبب خلافاتها الداخلية، وتشرذم أصحاب القضية بين أجنحة، ومنظمات، وشخصيات قيادية لا تلتقي على هدف يرفع مستوى قضيتهم إلى إيجاد حل، ولو مرحلي، لأزمة تعدت نزاعاتها مدة نصف قرن.
الاجتماع الوزاري المنعقد في القاهرة يحاول أن يحدد جدول أعماله بإعادة طرح المبادرة العربية التي نشأت من مشروع قاده خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله، وصادقت عليه القمة العربية في بيروت، وحتى نصل إلى نقاط مشتركة تجمع العرب وفق رؤية بعيدة عن فشل اللقاءات الوزارية، أو القمم، او حتى المشاورات التي تنشأ من خلاف سياسي، أو تباين في وجهات النظر، فإن الظروف الدولية والعربية قد لا تتفق دائماً مع القناعات أو الجهود العربية، وبما أن حرب لبنان الأخيرة افرزت واقعاً جديداً، بأن القوة العسكرية، مهما تعاظمت، لا يمكنها أن تكون وسيلة فرض الشروط أو إملائها، فإن إسرائيل، ربما أدركت أن أمنها مرتبط بأمن المنطقة بدون مزايدات من خلال الاتكاء على قوة عظمى، أو استخدام الذراع المدمرة والباطشة.
مشكلة الامة العربية ضعف مواقفها، أي أن كل دولة تدعي حقها المشروع في فرض وجهة نظرها بالكفاح المسلح، وهي عاجزة عن توفير القوة العسكرية من مصادر صناعة السلاح، واخرى تدعي الجهاد، وتحت هذه المظلة أفكار مشتتة تريد أن تحتكر فئة ما أسلوب العمل مع العدو، وثالثة ورابعة وعاشرة تفكر بالجمع بين الحوار، والدعم للفلسطينيين سياسياً واقتصادياً، وهي الدول الضائعة بين الخصوم، وبهذا التشرذم صارت مشاريع السلام المطروحة، وحتى المتفق عليها لا تجد الإصرار والحماية بأن تكون ميدان العمل مع القوى الخارجية بما فيها اسرائيل.
الحالة الراهنة قد تعيد القضية من النقاط التي تم الاتفاق عليها، وحتى تحصر الأمة العربية موقفها، ومشروعها، لابد من إصلاح الخلل الذي ينشأ من خلافات عامة تضيع فيها القضية الفلسطينية وبالتالي لابد من تعريف الأمور بجملها المفيدة، لا بالقواميس التي تفسر المواقف باتجاه مضاد ، ولعل الأزمات التي عشناها تكفي أن تكون الدرس المفيد لمن يريد أن يضع نفسه أمام المسؤولية العربية، أخلاقاً وممارسة.