يفاجئنا معالي الدكتور علي بن عبدالله الكعبي وزير العمل بين الفينة والأخرى بمعارك حامية الوطيس يخوضها مع فئة من فئات المجتمع، ليس لأنه يستمتع بهذا النوع من الصراعات، بل لأنه يسعى من خلال هذه الصراعات لإصلاح بعض أوضاع سوق العمل، لذلك كانت معاركه الأولى داخل وزارته وانتقلت بعدها خارج الوزارة لتصبح بينه وبين القطاع الخاص، حتى استطاع حل الكثير من المشكلات العالقة، بشدّة أصبحت ملمحا له، وبدبلوماسية وحوارات بناءة باتت أجدى وسائله.
ما يدعونا لهذا الحديث هو تصريحات جديدة لوزير العمل تشير وتلوح إلى معركة جديدة يخوضها الوزير مع مكاتب توريد عمالة من جانب، وشركات خاصة تحتاج تلك العمالة من جانب آخر.
إذ أعلن في الأسبوع الماضي عن اتفاقية توقعها وزارة العمل الإماراتية مستقبلا مع مختلف مكاتب العمل في الدول الموردة للعمالة، يتم بموجبها حجب استيراد العمالة عن طريق مكاتب خاصة ثبت استغلالها للعمالة والاتجار بها. إذ تسببت تلك المكاتب في الإساءة للعمالة وهضم حقوقها، وأثارت مشاكل ظهرت في صور احتجاجات وإضرابات استطاعت الدولة مواجهتها.
قرار وزير العمل في هذا الشأن ومساعيه لانجاز تلك الاتفاقية سيواجه بلا أدنى شك بردود فعل معادية للقرار من مكاتب العمالة، والشركات التي ترفض تأدية حقوق العمالة، لكن ما يهمنا في النهاية هو أن يخرج وزير العمل من معركته وقد انتصر للدولة وللعمالة معا، منهيا مشاكل عمالية كانت لها آثارها السلبية على الصعيدين المحلي والعالمي.
لأن هذا النوع من الاتفاقيات سيضع النقاط على الحروف، وسيجعل عقود العمل بالنسبة للعمالة ودولها التي تدافع عن حقوقها في غاية الوضوح قبل أن تطأ أقدامها الدولة، وحينها ستكون مشاكل العمالة في دولة الإمارات في طريقها للزوال بعد زوال المكاتب والشركات المستغلة للعمالة.
العامل أيا كانت جنسيته إنسان لا ينبغي التنافس عليه أو الاتجار به، ولا ينبغي إيقاع الضرر بالمجتمع وأمنه واستقراره من خلال استغلاله، لاسيما وان ممارسات من هذا النوع تدفع الدولة ثمنها غالياً من رصيد سمعتها. وعصر ابتزاز العمالة واستعبادها عصر ولى ومضى، ولم يعد يعكس بأي حال من الأحوال صورة حضارية.
إغلاق الأبواب على مكاتب استيراد العمالة هو طريقنا لتأكيد حقوق العمالة ووقف المتاجرة بها وما تجره من آثار سلبية على مجتمعنا. وهي خطوة ضرورية ستمهد لانتزاع سلطة تجار التأشيرات، على اعتبار أن مكاتب العمل في الدول المصدرة للعمالة ستكون الوسيلة الوحيدة لجلب العمالة. كما أنها خطوة ضرورية لتطبيق أي استراتيجية أو سياسة مستقبلية تهدف لإصلاح سوق العمل وتهدف للانخراط في منظومة الاقتصاد العالمي الذي يقر حقوقا وواجبات.
لذا فإننا نتمنى أن ترى هذه الاتفاقية النور في القريب العاجل جدا. وكان الله في عون وزير العمل والوزارة بأكملها في هذه المعركة الجديدة التي نتمنى لهم فيها الانتصار من جديد.