توسّل قادة القوات المسلحة الأميركية الكونغرس أخيرا بعدم فعل ما اعتاد فعله منذ عقود ، إجبار القوات المسلحة الأميركية على الاقتطاع من هذا لتدفع لذاك، حتى في زمن الحرب.
ومن الواضح أن قائد الجيش الأميركي الجنرال بيتر شوميكر وقائد مشاة البحرية الجنرال مايكل هاجي قلقان من الكيفية التي يتم بها حساب الميزانية في الكونغرس، والتي تقتّر عليهما فيما يتعلق بالاعتمادات المالية الضرورية لإصلاح أو تبديل التجهيزات التي تبلى أو تتلف في القتال.
ومع تواصل الحرب في أفغانستان والعراق منذ سنوات وأرجحية استمرارها لسنوات أخرى، بحسب ما يفهم من تصريحات بوش، فإن الجيش ومشاة البحرية الأميركية تستهلك مركباتها وطائراتها بشكل طاحن بمعدل تقترب تكاليف الإصلاح والتبديل فيه من 17 مليار دولار سنوياً.
لكن الكونغرس لا يوفر كل المال المطلوب في الوقت المطلوب. وتتضمن فاتورة هذه السنة لما تسميه القوات المسلحة «إعادة ضبط» آليات الحرب حوالي خمسة مليارات دولار تم ترحيلها من السنة الماضية لأن الكونغرس لم يوفر اعتمادات مالية كافية.
ولقد أرغم هذا الوضع قادة القوات المسلحة على البدء في سحب المال من اعتمادات مالية أخرى لدفع تكاليف احتياجات ملحة لها تأثير مباشر على جاهزية القوات المسلحة والكفاءة القتالية.
وما يعنيه هذا، كما أخبر الجنرال شوميكر المشرعين، هو أنه عند وقوع هجمات 11 سبتمبر، كانت حسابات ميزانية الجيش في السنوات السابقة تعاني من عجز في التمويل بواقع حوالي 100 مليار دولار، وتم ابعاد حوالي نصف مليون جندي من الجيش. ولذلك فعندما غزونا العراق في أوائل 2003، كان الجيش يعاني أصلاُ من عجز في التجهيز بقيمة 56 مليار دولار تقريباً.
مع أن الحاجة لإصلاح وتبديل التجهيزات العسكرية التي استنزفت في الاستخدام المكثف في العراق وأفغانستان تصبح أكثر إلحاحاً يوماً بعد آخر، فإن المشرفين على تحديد الميزانيات في الكونغرس بدأوا يفكرون في الاستغناء عن قوانين المخصصات التكميلية التي تمول تلك الحروب خارج قيود ميزانية الدفاع الطبيعية. لكن الأموال اللازمة لإصلاح أو تبديل هذه التجهيزات ظلت إلى الآن تأتي من هذه الميزانيات التكميلية.
وحذر جنرال متقاعد ذو نفوذ أخيرا من أن نهاية الحروب التي نخوضها اليوم لا تعني نهاية التمويل للتجهيزات التي تستهلكها تلك الحروب الطاحنة. لا بل إن القائدين العسكريين أخبرا الكونغرس أنه ستظل هناك حاجة لتلك الأموال لعامين أو ثلاثة بعد نهاية العمليات العسكرية، لكي تكون القوات المسلحة جاهزة لمهمتها التالية، أو لمواصلة الحرب العالمية على الإرهاب.
وأخبر شوميكر المشرعين أنه قلق أيضاً من أن أي تقليص في تمويل الدفاع من شأنه أن يضطرهم للسحب من الاعتمادات المالية الضرورية لبرنامج «الأنظمة العسكرية المستقبلية» الطموح الذي يقوم به الجيش بتكلفة 160 مليار دولار.
ولقد تعززت هذه المخاوف بأرقام واقعية في أحدث مراجعة رباعية صادرة عن وزارة الدفاع، والتي تنظر في احتياجات 20 سنة تالية وتحدد الأوليات في المشاريع الكبيرة مثل أنظمة التسلح المتطورة. ومع أن وزير الدفاع دونالد رامسفيلد كان قد تعهد بتقليص أو الاستغناء عن برامج أسلحة الحرب الباردة الضخمة التي أتى عليها الزمن مثل المقاتلة الحربية إف 22 والغواصات النووية، إلا إنه لم يفعل ذلك.
ويدرك الجيش ومشاة البحرية اللذان تحملا جل الأعباء القتالية في أفغانستان والعراق تماماً معنى هذا الكلام.
وفي هذه الأثناء فإن الظروف والبيئات القاسية التي يعمل فيها جنودنا تستهلك تجهيزاتهم مثل مركبات هامفي، المروحيات، مركبات برادلي المقاتلة ودبابات إم 1 بمعدل يفوق المعدل الطبيعي بأربع مرات.
وتتسارع عملية التلف من الاستهلاك بسبب الحاجة لمجابهة القنابل يدوية الصنع التي تزرع على جانب الطريق بإضافة المزيد من الدروع القوية إلى الهيكل الأصلي الخفيف لمركبات هامفي والشاحنات الثقيلة التي تنقل المؤن للجنود الأميركيين.
لكن عندما تنتهي هاتان الحربان، سيكون من العار أن يتركا أميركا - كما فعلت معظم الحروب من قبل - بقوات مسلحة منهكة مستنزفة تفتقر للتجهيزات والذخائر اللازمة للدفاع عنها في عالم يزداد خطورة مع استمرار إيران وكوريا الشمالية في السعي وراء طموحاتهما النووية.
يجب على الكونغرس وإدارة بوش العمل على ضمان عدم تكرار الماضي على هذا الصعيد، لكني لست متفائلاً في أن الأمور ستتغير نحو الأفضل.
خدمة «لوس أنجلوس تايمز» ـ خاص لـ «البيان»