من جديد يعود رعب الاغتيالات والتفجيرات، إلى الساحة اللبنانية عودة تستحضر معها شريط مسلسل، أنهك اللبنانيين وحبس أنفاسهم لأكثر من سنة، كما تصطحب معها موجة جديدة من التوتر والإحباط وارتفاع لمنسوب التوجس والارتياب.
والأذى هذه المرة مضاعف، فمحاولة اغتيال احد كبار ضباط قوى الأمن ومقتل أربعة من مرافقيه تأتي في ظرف صعب وخانق، فالبلد لا يزال تحت الحصار والاحتلال ولو الجزئي.
بالكاد بدأ في إزالة ركام الدمار الذي خلفته الحرب الإسرائيلية الهمجية. لم يخرج من صدمة العدوان بعد، وفيما هو يحاول تلمس طريق النهوض وإذا بالكابوس القديم ـ الجديد يتجدد ويحط رحاله وسط وضع مثقل بالمتاعب والهموم.
كابوس كانت وطأته قاسية ومكلفة فيما مضى، فكيف الآن ولبنان يحاول معالجة تداعيات العدوان الإسرائيلي المستمر منذ بداية الصيف، وكأن التوقيت متعمد لزيادة البلبلة والإرباك والتأزيم الداخلي، في لحظة يحتاج فيها اللبنانيون إلى نقيض هذه الأجواء ومن هنا يبدو أن المستهدف الأساسي هي وحدتهم الوطنية، التي تجلت بأروع صورها أثناء العدوان الإسرائيلي.
والملفت أيضا إلى جانب التوقيت، أن التفجير حصل بنفس الأسلوب الذي شهدته فترة الاغتيالات خلال عام 2005، كما توقف المراقبون عند هوية وموقع الضابط المستهدف، مع التركيز على علاقته بالتحقيقات التي جرت في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
مما قد يؤدي إلى نكء جروح لم تلتئم بعد، مع ما يرافق ذلك من عودة إلى مناخات الانقسام والتوتير السياسيين، وكان اللبنانيون قد اعتقدوا ربما، أن خطف الأرواح بالريموت كونترول، قد توقفت ماكينته عن العمل في ساحتهم. آخر عملية لها كانت قبل عشرة أشهر، وإذ بها تعود بقوة وبصورة صاعقة، لتؤكد مدى انكشاف البلد، فضلا عن مدى إصرارها على مواصلة التخريب والتدمير في هذه الساحة.
طبعاً المستفيد الأول، إسرائيل. أي اهتزاز امني او تأزيم سياسي لبناني يصب في خدمة مصالحها، وخاصة في هذا الوقت. من الأساس هي استهدفت الخندق اللبناني الداخلي لشقه وحمله على الاشتباك مع نفسه، أو على الأقل لتوسع الهوة بين أطرافه. لكنها فشلت خلال حربها العدوانية.
وبصرف النظر عن الجهة الفاعلة في عملية التفجير أول أمس، فان نتائجه تهدد بخدمة هذه الأغراض، وحده وعي اللبنانيين، الذي تجلى على أفضل ما يكون خلال الحرب، يشكل الحصانة لتدارك التداعيات، يعزز هذه الحصانة تكثيف الجهود لتخفيف أعباء اللحظة عن كاهلهم، وبالتحديد فيما يخص العمل على فك الحصار القاتل الذي تفرضه إسرائيل، خلافاً لمنطوق القرار 1701، عن لبنان.
وكان البيان الختامي لاجتماع وزاري «التعاون» الأخير في الرياض، قد خص هذا الأمر باهتمام خاص، فالوضع في لبنان مهدد وهو يعيش، منذ سكوت المدافع، بين الأمل والإحباط بين الهبة الباردة والهبة الساخنة.
في أحسن أحواله هو في حالة من المراوحة. لكنها مراوحة مفتوحة على المجهول وعودة شبح الاغتيالات من شأنه أن يزيد من رخاوتها، تفعيل التحرك لا يحتمل التأجيل، لاجتناب المزيد من التداعي، وهذا يستدعي تعريب موقف وزاري التعاون والعمل على نقله إلى حيز التنفيذ بما أمكن من السرعة.