يقول الروائي الإنجليزي الراحل جورج أورويل «إن خير الكتب هي التي تقول لنا ما نعرف».
طافت هذه الخاطرة بذهني بعد أن فرغت من مطالعة تحقيق صحافي في مجلة «الايكونومست» اللندنية خلاصته أن أميركا تعطي إسرائيل دعماً مطلقاً.
قد نقول أن المجلة اختارت بدهية معلومة لدينا ولدى العالم أجمع. ولكن حتى البدهيات تكتسب جدة وحيوية إذا أعيد عرضها من خلال تفاصيل مثيرة.
على هذا النحو فإن التحقيق يحدد المواطن التي ينبع منها التأييد الشامل والكاسح لإسرائيل بطول الولايات المتحدة وعرضها، وإذ يعرض التحقيق لقوة هذا التأييد على الصعيد الشعبي، فإنه يفيدنا أيضاً بأن هذا التأييد أشد قوة على صعيد المؤسسة السياسية الأميركية.
فالمناصرة المنظمة لإسرائيل تمتد من الليبراليين في الغرب الأميركي إلى المحافظين في الجنوب، وتنعكس هذه الحقيقة عادة على الإجماع الذي يتبلور في الكونغرس بمجلسيه عندما يتعلق الأمر بمجريات الصراع العربي الإسرائيلي، فتصدر قرارات إجماعية تؤكد على دعم إسرائيل بقدر ما تؤكد على إدانة المواقف العربية على نحو تلقائي.
وفي هذا الصدد يفيد التحقيق بأن الحزبين الكبيرين «الجمهوري» و«الديمقراطي» يتباريان في إثبات أيهما أكثر ولاءً للدولة اليهودية. ومؤخراً طالب 20 عضواً في الكونغرس من الحزب «الديمقراطي» الذي من المفترض أن يكون حزب معارضة بأن يراجع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي انتقادات وجهها إلى إسرائيل وإلا ألغيت الدعوة الموجهة إليه لمخاطبة الكونغرس.
لماذا هذا التعاطف الأميركي مع إسرائيل بالمقارنة بتعاطف أقل في أوروبا؟
أشد الإجابات وضوحاً عن هذا السؤال ـ تقول المجلة ـ تتمثل في نفوذ قوتين سياسيتين هما «أيباك»، أي «اللجنة الأميركية الإسرائيلية للشؤون العامة»، واليمين المسيحي، وجدير بالذكر أن رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود أولمرت أعلن في سياق العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان قائلاً « الحمد لله أن لدينا أيباك، أعظم داعم وصديق لإسرائيل في العالم بأسره».
أيباك مؤسسة تضم جماعات ضغط يهودية ومعاهد بحث وتدير عمليات التبرعات لإسرائيل وترصد مسلك أعضاء الكونغرس لتقرر أيهم جدير بالتمويل في الانتخابات التالية. كما تقوم بترتيب زيارات منظمة إلى إسرائيل لأعضاء الكونغرس.
أعضاء جماعات اليمين المسيحي أشد ولاء لإسرائيل من سائر الأميركيين. ومعظمهم يقولون من منطلق ديني أن دولة إسرائيل هدية إلهية إلى الشعب اليهودي.
هذا التأييد الديني يترجم إلى نشاط سياسي. ومن أبرز الناشطين في هذا المجال داعية تلفزيوني يدعى جون هاجي يدعى أن تأييد إسرائيل «أمر إنجيلي». وقد قام هذا الداعية مؤخراً بإنشاء جماعة يطلق عليها «مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل». وخلال شهر يوليو الماضي قام بحشد 3500 شخص من جميع أنحاء الولايات المتحدة لتأييد الحرب الإسرائيلية على لبنان و«حزب الله». ويجدر بالذكر أن كلا من الرئيس بوش وأولمرت بعثا برسالة تضامن مع الحشد.
مع أخذ هذه الوقائع في الاعتبار مضافاً إليها أن التأييد الأميركي المطلق للدولة اليهودية يترافق مع عداء سافر للعرب والمسلمين، فإن المرء ليعجب من أن قيادات عربية تتعامل مع الولايات المتحدة وكأنها أفضل صديق وخير «وسيط نزيه ومحايد» بين الأمة العربية وإسرائيل.