تتشابه احداث التاريخ في أوجه كثيرة مع شخصيات إنسانية، من حيث كثافة الحضور، وطبيعته، بعد الرحيل وانقضاء اللحظة الحاضرة، ودخولها في تيه الماضي، فالبعض منها يبقى ماثلا في الذاكرة، يستعصي على النسيان، ولا ينقطع عطاؤه في تشكيل وجدان وجوهر الحاضر والمستقبل، منه تستمد العظات والعبر، حتى لا تتكرر المآسي، ان كان الحدث كارثيا، أو حتى تتعاظم الفوائد، ان كان قفزة على مسار النهضة والتحدي.

من هذه الاحداث التي لفها الماضي منذ ربع قرن، ومازالت حاضرة في حياتنا، الثقافية والسياسية والاجتماعية، سواء بتداعياتها، أو بشخوصها، تلك الواقعة التي مرت بمصرنا العزيزة، حاضرة العرب، وأطلق عليها «مداحو السلطة» اسما غريبا، ينتزع الدموع من المآقي، ويخلطها بضحكات آسيانة، ساخرة، لفرط مفارقة وتناقض اللفظ مع الحال.

ففي حين كان الحدث يجنح إلى خانة العبث والعدمية والعشوائية، وتحويل الوطن إلى سجن كبير، اعتبره هؤلاء المداحون الواقفون على أعتاب السلطان،بانتظار عطاياه، انه «ثورة سبتمبر».!

ففي مطلع شهر سبتمبر منذ 25 عاما، اعتقلت أجهزة امن الرئيس المصري الراحل أنور السادات أكثر من 1500 من ابرز قادة الرأي والعمل السياسي، لا فرق بين قوميين واشتراكيين ووفديين، ودعاة،وشباب الجماعات الإسلامية، وأقباط. وأصبحت مصر وقتها على شفا انفجار بركان الغضب، واشتعال حريق يهدد بالتهام كل حقول قمحها، وتحويلها إلى صحراء قاحلة، يمرح فيها العسس وذوو الأحذية الثقيلة، والمنتفعون من كوارث الوطن، الذين لا يعرفهم التاريخ سوى باسم «حفارى القبور».

في هذه اللحظة الفارقة، خرجت الصحف الرسمية بعناوين ضخمة، تصدم المصريين البسطاء، وتبشرهم بثورة 5 سبتمبر، وكأن حملة الاعتقالات فتح من فتوحات الرئيس المؤمن، وانجاز تاريخي لرجال أمنه، الذين لو استمر الحال بهم على هذا المنوال، لأفقدوا مصر اعز ما ورثته من تاريخها، وهو نسيج الوحدة الوطنية، الذي يصمد دائما في وجه كل محاولات تمزيقه.

على ان تصاريف القدر ومفاجآت التاريخ، كان لها رأي آخر، واغتيل السادات في مشهد اشد عبثية من واقعة «ثورة 5 سبتمبر», حيث تلقى رصاصات الموت من ضباط وجنود الجيش في يوم الاحتفال بذكرى نصر أكتوبر 1973 ، وكأنه جهز الاستعراض العسكري، ليكون مسرحا «اغريق» يعرض عليه مشهد نهاية «فقدان الظل» والاتجاه والتخبط، والتلاعب بمصير امة، حتى لو كانت النوايا حسنة، كما يتذرع أنصاره.

الآن، يحق لنا ان نتساءل: ماذا بقي من رماد 5 سبتمبر؟. هل مازالت هناك جمرات تحت الرماد،ام انها كانت انتكاسة عابرة، وعارضا تعافت منه المحروسة؟ وبشكل خاص، هل تعافت الصحافة المصرية من عارض 5 سبتمبر ، أم مازالت تسدد استحقاقاته؟

خلافا،للشائع، وربما يصدم كثيرين، اننا مازلنا مكبلين بقيود وأوهام وخطايا 5 سبتمبر، لأن النهج الحاكم لصحافة مصر الرسمية، هو العقلية التي أنتجت من صاغ ونحت مصطلح «ثورة 5 سبتمبر» وبشر بالاعتقالات وبرر لها.

وضلل الرأي العام، وأذاقه السم في كؤوس الكلام المعسول، وفرط في استقلالية الصحافة ، بل وحولها إلى بوق ومزمار ، بدلا من ان تؤدي دورا تنويريا، يبصر الحاكم بالخطر، وينتقد، من اجل الصالح العام.

ولا يخفى على احد ان بضاعة النفاق الصحافي هي الرائجة، وهى البوابة الملكية إلى قمة الهرم في بلاط الصحافة التابعة، التي لا تجلب للوطن سوى الكوارث، وللمهنة سوى التخلف وفقدان المصداقية والتأثير.

من نماذج هذه الصحافة التي فقدت ظلها، قيام رؤساء تحرير الصحف الرسمية بتحرير قوائم بأسماء زملاء لهم ومثقفين بارزين، وتقديمها إلى وزير الداخلية وقتها النبوي إسماعيل، الذين اجتمعوا في مكتبه، ليقوم باعتقالهم على أنهم من الخطرين على امن الدولة.!

هذه الواقعة التي فجر سرها الكاتب الصحافي مكرم محمد احمد على الهواء في برنامج «الساعة العاشرة» الذي تقدمه الإعلامية المتوهجة منى الشاذلي على فضائية دريم، يجب إلا تمر مرور الكرام، بل يجب ان تتحرك نقابة الصحافيين، لن أقول لمحاسبة هؤلاء( العسس) لأن وارثيهم في السلطة، لن يسمحوا بالمساس بأولياء نعمهم.

بل فقط من اجل توثيق هذا القبح الاعلامى، وتلك الفجاجة الصحافية، والعكوف على دراستها، وعقد حلقات نقاش وندوات تتناول ابعادها ومخاطرها التي جرفت أنبل ما في صحافتنا، حتى نستأصل هذا المرض ونحصن الأجيال الجديدة ضد فيروس «العسس»، وحتى نستعيد لصحافتنا القها ووهجها وحضورها.

ويكفى ان نراجع قليلا، من هؤلاء المنافقين الذين كانوا يتربعون على عرش الصحافة الرسمية احتفظ بحضوره، بعد إقصائه عن «جنة العبيط», بالتأكيد لا احد، حتى لو استمروا فى تظليل صفحات الصحف التي لا تقرأ، اما الذين تعرضوا لحفلات السب والهجاء من هؤلاء المداحين للسلطة، فما زالوا متوهجين بالعطاء،لم يفقدوا القهم، رغم الحصار،يقتفي القراء إثرهم بحثا عن كلمة صاغتها أقلامهم المنحوتة من جبل الصدق، والضمائر اليقظة، ويكفي ان نشير إلى أسماء محمد حسنين هيكل، وكامل زهيري، أمد الله في عمريهما،والراحل احمد بهاء الدين، ومن سار على دربهم مثل : فهمي هويدي، صلاح حافظ، سلامة احمد سلامة، محمود عوض، وغيرهم كثيرون .