لا أحد يشكك بالنوايا الحسنة التي حملها الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان إلى الشرق الأوسط ولا أحد يريد أن يكون متشائما تجاه الزيارة التي قام بها والتي شملت عدداً من الدول العربية وإيران وإسرائيل. ولكن النوايا الحسنة في عالم السياسة والاستراتيجيا لا محل لها ولا باع ولا تدخل في حسابات صناع القرارات ورسام الاستراتيجيات.

هذه المقدمة يجب أن يستنتج منها أننا في عالم الشرق الأوسط نريد لنا دائماً أن نكون متشائمين من الزيارات والمحاولات الجادة التي يقوم بها مسؤولون كبار في السياسة الدولية أو ممثلون عن دول ومنظمات دولية .

ولكن التاريخ أثبت لنا أنه يكرر نفسه طالما بقيت الثوابت على حالها واستمرت المتغيرات تستثمر من قبل الخارج وليس الداخل العربي بحكم أن الخارج يمتلك زمام الأمور والحل والربط والفيتوات، فمثلاً يعلن كوفي عنان أن القضية الفلسطينية هي لب الصراع في منطقة الشرق الأوسط.

وأن حل هذه القضية هو المفتاح الجوهري لشرق أوسط مستقر ومزدهر وآمن خالٍ من الإرهاب والتطرف وغير ذلك من المصطلحات الجديدة في قاموس السياسة الدولية بعد تربع الولايات المتحدة بقيادة إدارة الرئيس بوش على عرشها.

وهنا لا أعتقد أن أحداً يمكن له أن يختلف مع هذا التصريح الجاد والعادل والمحق الذي يشخص باختصار المشكلة الحقيقية التي لا بد من حلها على أساس القرارات الدولية الصادرة منذ أكثر من عقود ونيف.

ولكن عنان الذي وضع يده على جوهر المشكلة في المنطقة لم يتحدث بنفس الدقة على الآليات التي يفترض أن تقود إلى حل المشكلة التي تم تشخيصها بدقة متناهية.

فهل عنى الأمين العام أن القرارات الدولية بخصوص قضية فلسطين سيتم تطبيقها في مجلس الأمن على الفور دونما تأخير أو إعاقة من هذه الجهة أو تلك؟ وان الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة اقتنعت بضرورة تطبيق هذه القرارات لإرساء شرق أوسط «جديد» خال من القهر والظلم والاحتلال والغطرسة.

وان إسرائيل ستنفذ القرارات الدولية إما قناعة منها أن هذه الأمر أصبح أساسيا وحيويا لاستمرارها كوجود عضوي في هذه المنطقة أو أنها مرغمة بسبب المتغيرات التي قد تطرأ على دول المنطقة وشعوبها متفادية العواقب الوخيمة لهذه المتغيرات التي بدأت بذورها تنمو.

وهل قررت أوروبا الحرة صاحبة الحضارة العظيمة أن تمحي تاريخها العنصري والاستعماري ضد الشعب اليهودي والشعوب العربية وبناء عليه أن تتبنى سياسات جادة خالية من الشعارات ولا تحتوي معايير مزدوجة تجاه دول المنطقة المختلفة سواء العربية منها وغير العربية لتتناغم فقط مع مصالحها ومصالح شعوبها.

أم أن الدول العربية أصبحت تمتلك عناصر قوة غير تلك التي كانت من قبل وإرادات عصية عن التأثير الخارجي وشعر عنان والدول الكبرى أن هذا الأمر من شأنه أن يغير المعادلة في منطقة الشرق الأوسط لصالح العرب والمستعربين.

ويضر بمصالح القوى العظمى وحلفائها في كل مكان ويقود إلى مزيد من التوتر وعدم الاستقرار ويضاعف من مخاطر سقوط الدولة العبرية وتضطر الدول الرئيسية لإعادة رسم خرائطها المتعلقة بالشرق الأوسط الجديد نحو شرق أوسط «أعظم».

إذا لم يتمكن عنان من وقف المجازر اليومية في غزة ونابلس وقلقيلية وغيرها من مدن فلسطينية ملقاة على حافة الساطور الإسرائيلي أو فك الحصار المالي عن الشعب المغدور به أو الدفاع عن الديمقراطية الحقيقة الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط الجديد فكيف لنا أن نصدق النوايا الحسنة والتصريحات الإيجابية.

إننا لا نستطيع أن نصدق النوايا الحسنة لمهمة الأمين العام وحالة التأهب على جانبي الحدود اللبنانية الإسرائيلية مازالت مرتفعة وأن القرار 1701 لم يقد إلى وقف حقيقي وثابت لإطلاق النار وبالتالي إنه يصبح هشا.

كيف يمكن التفاؤل بزيارة يقوم بها أمين عام منظمة الأمم المتحدة بينما لا يزال لبنان محاصراً من الجو والبحر من قبل الدولة التي تعيش فوق القانون الدولي، ولا يتعب البعض الحديث عن دعمهم وحبهم وإعجابهم بديمقراطية لبنان وشعب لبنان الحر. هل نسى هؤلاء البعض، أو ربما تناسوا، دعمهم لانتفاضة الأرز والحرية أم أن القضية متصلة بجنسية الأجنبي على أرض لبنان الحر؟!

كوفي عنان أعلن عن تعيين وسيط للبدء بالمفاوضات السرية بين إسرائيل وحزب الله حول قضية الأسرى وكأن هذا إنجاز عظيم من قبل الأمم المتحدة.

إن حزب الله هو الذي أسر جنوداً إسرائيليين وفرض أمر التفاوض على إسرائيل بعد فشل الأخيرة بتحريرهم عن طريق القوة. من ناحية أخرى إن إسرائيل التي قبلت التفاوض غير المباشر مع حزب الله لتحرير الأسرى وطلبت وساطة الأمم المتحدة ومن غيرها لأن تتعامل مع هذا الملف على أساس براغماتي بعد هزيمتها العسكرية في لبنان.

ويبقى أن الأمم المتحدة التي يفترض أن تكون وظيفتها الرئيسية تطبيق القرارات الدولية تقوم بدور وسيط ليس لحل نزاع حدودي أو عسكري أو سياسي أو حتى إنساني بل لفك أسر جنديين إسرائيليين إرضاءً لإسرائيل وحلفاء إسرائيل الكبار. أما الأسرى اللبنانيون فهم في الأسر منذ سنوات ولم يكترث بهم أحد من قبل لولا أن حزب الله وشعب لبنان اضطرا لخوض حرب فشل عنان ومنظمته في أدانتها.

لقد أصاب الشعب العربي الملل من الشعارات العربية والدولية وتعب من وجود نوايا حسنة لدى النظام العربي والنظام الدولي ولم يعد يدرك الفرق بين الشعارات والنوايا العربية والدولية من عظمة تشابهها وانسجامها المشترك.

نريد أن نقول للأمين العام ان لا يقوم بزيارة للعالم العربي أو الشرق الأوسط الجديد إذا كان الموضوع هو «تشليح» حزب الله من أسلحته إلا إذا كان هذا الطلب يأتي في سياق تجريد الشرق الأوسط من جميع أسلحته وخصوصاً إسرائيل التي تبادر بالاعتداء على جيرانها. وأن لا يطلب من إيران وقف أنشطتها النووية السلمية إلا إذا كانت إسرائيل موافقة على تسليم أسلحتها النووية العسكرية.

إننا ببساطة نقول للأمين العام اننا لم نعد نثق بالوعود والشعارات والزيارات والمراسم والتصريحات العربية والدولية معاً على حد سواء ونطالبه أن يقوم في الوقت الباقي له كأمين عام الأمم المتحدة ويتخذ كل الإجراءات اللازمة لتطبيق القرارات الدولية لمصلحة النظام الدولي وأمنه واستقراره حتى يترك إرثاً يختلف عن أسلافه ممن لم يصنعوا للتاريخ ما يجعلنا نستذكرهم بخير أو شر.

كاتب وباحث سياسي

isam997@hotmail.com