ما خسرته إسرائيل في هزيمتها عسكريا وسياسيا خلال عدوانها الأخير على لبنان، تحاول تعويضه بوسائل وأساليب أخرى تجيد استعمالها، وبعضها يصنف كجرائم حرب وجرائم ضد الانسانية، مثل زرع مناطق عديدة من الجنوب اللبناني بالألغام والقذائف العنقودية الموجهة أساسا ضد المدنيين خاصة من النساء والأطفال.
إضافة إلى تنمية خلايا استخباراتية في الداخل اللبناني يتم تنشيطها أحيانا لاغتيال بعض الشخصيات، أو تفجير عدد من المنشآت وفي توقيت محدد يستهدف زعزعة التماسك الداخلي، أو زرع بذور الفرقة بين الأطياف اللبنانية على أسس مذهبية أو طائفية، او شغل الرأي العام بقضايا ثانوية تصرف الانتباه عن الخطر الاسرائيلي المحدق بالحدود البرية والمياه الاقليمية والأجواء اللبنانية، إلى غير ذلك من الأهداف.
والتركيز الاسرائيلي الآن ينصب على محاولة تفتيت الجبهة اللبنانية الداخلية، التي حققت تلاحما رائعا خلال الحرب، ومنعت اسرائيل من استثمار مواهبها الاجرامية في تأليب الأطياف اللبنانية على بعضها البعض، وتوريط سوريا في الشأن اللبناني واتخاذ ذلك ذريعة لأي عدوان جديد قد تفكر في القيام به.
بل هو شبه مؤكد الآن طبقا لتصريحات عدد من الساسة والعسكريين الاسرائيليين مؤخرا، فهذا التماسك والتلاحم الداخلي أهم المعوقات من المنظور الاسرائيلي في طريق لبننة الصراع، واذكاء نيران الفتنة الطائفية إلى أن تصل إلى حرب أهلية يتمناها من يمارس المبدأ القديم المتجدد: فرق تسد.
ان الأولويات اللبنانية الآن بالنسبة لجميع الأطياف هناك، تتحدد في فك حصار اسرائيل البري والبحري والجوي المفروض على كامل خارطة لبنان، دون سند من القانون الدولي، وبخرق واضح للقرار 1701 بمحاولة فرض تفسير أعور له، ثم في تطهير الجنوب اللبناني من حقول الألغام والقذائف التي لم تنفجر.
يلي ذلك انجاز جميع الأعمال الخاصة بإعمار ما خربته آلة الحرب الاسرائيلية، بالتوازي مع تسليح الجيش اللبناني وتمكينه من القيام بدوره الدفاعي برا وبحرا وجوا، وأخيرا طرح أي خلافات بين الأطياف اللبنانية على طاولة حوار بيني يضع نصب عينيه المصالح الوطنية العليا للبنان، بعيدا عن الأطماع الفئوية والطائفية ضيقة الأفق، ولبنان العربي المنتصر في مواجهته للعدوان الاسرائيلي الغاشم، قادر على الانتصار في معركة البناء الداخلي بحكمة كثير من ساسته ومثقفيه وقياداته.
ومن القضايا الملحة أيضا على الداخل اللبناني، البحث الدقيق عن أي خلايا استخباراتية تعمل لصالح اسرائيل، والمراقبة المستمرة لبعض الأجانب الذين قد يقدمون على تصرفات مشبوهة تلفت النظر إلى طبيعة زيارتهم للبنان، وعلى وجه الخصوص بعض من قالوا أنهم ناشطو سلام أوروبيون كانوا حريصين كل الحرص على مرافقة القوافل الأولى من النازحين العائدين الى مدنهم وقراهم في الجنوب بعد توقف العمليات العسكرية.
بما يعيد إلى الذاكرة موقف بعض ناشطي السلام من جنسيات مختلفة، الذي وفدوا إلى العراق قبيل غزوه، وادعى بعضهم أنهم سيشكلون دروعا بشرية حول المواقع الحيوية في بغداد للحيلولة دون قصفها، واتضح لاحقا ان عددا كبيرا منهم كانوا جواسيس يبثون معلوماتهم حول هذه المواقع باستخدام أجهزة اتصال صغيرة الحجم عالية التقنية.
اننا نثق في قدرة الحكومة اللبنانية على اجهاض كل محاولات التسلل والاختراق أيا كان نوعها، وعلى تعقب خلايا التجسس التي قدمت للاسرائيليين معلومات خلال الحرب عن المواقع والأبنية التي يتعين قصفها، ونثق أيضا في وطنية كل الأطياف اللبنانية، التي لن تسمح للاسرائيليين باستثمار مواهبهم في زرع الفتن والأحقاد بينها.
وفي حكمة هذه الأطياف بعد دروس عملية ذاقت خلالها كلها ويلات ومرارة الحرب الأهلية، وهي بالقطع لن تسمح باعادة انتاج هذا السيناريو المشبوه لصالح من يريدون ضرب لبنان نموذجا للحرية والديموقراطية والتعددية، ورئة ثقافية يتنفس من خلالها كل العرب، وأخيرا نحن نثق في المواطن اللبناني الذي أثبت بوعيه وصموده وتضحيته، أنه جدير بكل كرامة وعزة، دفع ثمنها غاليا من دمه وقوته وماله ورزق عياله.