رغم ان المشروع الانجلو - أميركي بشأن إرسال قوة عسكرية «دولية» الى دارفور يحفل بما يستعصي على الحصر من تفاصيل التفاصيل اللوجستية، فانه لا يأتي على ذكر الهدف السياسي الاستراتيجي المراد تحقيقه من وراء الحملة العسكرية.

ليس من المعقول الا يكون لواضعي المشروع هدف سياسي. واذن فان الأرجح ان الهدف مدسوس داخل أجندة سرية والى ان يحين الوقت الملائم للإعلان عن الهدف الاستراتيجي فان واضعي المشروع اكتفوا بابتداع ذريعة.

الذريعة التي ظلت ترددها إدارة بوش هي «وقف الإبادة» المستمرة في دارفور لكنها ذريعة مفضوحة لا تقف على قدمين. فعلى الرغم من سيل البيانات والتصريحات وتسيير مظاهرات في مدن أميركية من جماعات «اليمين المسيحي» الأميركي وجماعات «الإنجيليين الصهاينة» فشلت إدارة بوش حتى الآن في ابراز أي دليل مادي دامغ على ان هناك عمليات ابادة منظمة ترتكب. لم تستطع ان تقدم صوراً او أشرطة مصورة إعلامية.

ثم ان التدقيق في السياق التفصيلي للبيانات والتصريحات الأميركية يكاد يكشف الهدف الاستراتيجي غير المعلن. فمن حين لآخر يأتي على لسان مسؤول أميركي ذكر القبائل «العربية» والقبائل «الإفريقية» في دارفور باعتبار ان الأولى هي «المجرم» والثانية هي «الضحية البريئة».

ماذا يبقى اذن سوى الاستنتاج الموضوعي بان الهدف الأميركي المباشر من وراء الإصرار المريب على إرسال قوة عسكرية «دولية» هو دعم الحركات المسلحة الدارفورية التابعة للقبائل «الإفريقية» تحديدا الزغاوة والفور - لكسر شوكة القبائل العربية كتمهيد لاقامة سلطة إقليمية في دارفور تتشكل من قيادات الحركات المسلحة الإفريقية لتبقى الى امد غير معلوم تحت حماية عسكرية «دولية».

هذا هو الهدف الاستراتيجي على المدى القريب. اما على المدى البعيد فان الهدف هو إضعاف السلطة المركزية بغرض ابتداع صيغة جديدة تماما للحكم المركزي تكون الغلبة السلطوية فيها للأقليات غير العربية - الجنوب وجبال النوبة وافارقة دارفور باسم «المهمشين».

لهذا يراد للقوة العسكرية «الدولية» من خلال المشروع الاميركي البريطاني ان تكون قوة قتالية ضاربة كما ورد بصراحة في صيغة المشروع وبلغت الصراحة بالمندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة جون بولتون ان أعلن انها قوة ستكون سريعة التحرك مدعومة بطائرات عمودية عسكرية وسلاح جوي.

وتأسيسا على هذا التصور الأميركي فان السيناريو المصمم لهذه القوة ليس حفظ سلام وانما بالأحرى اشعال حرب طويلة المدى ضد القوات المسلحة السودانية وميليشيات القبائل العربية بغرض استنزاف الشمال العربي المسلم ماليا واقتصاديا من اجل ابتزازه سياسيا في مرحلة لاحقة.

المشروع الأميركي البريطاني يغفل أيضا ذكر أي شيء عن القيادة العليا للقوة الدولية، وربما يدخل هذا أيضا ضمن الأجندة السرية لتكون هناك مفاجأة في وقت لاحق بان القيادة العليا سيعهد بها الى طاقم من جنرالات أميركيين وبريطانيين.