تواجه الإدارة الأميركية انتقادات متزايدة في الداخل الأميركي، ومن أطراف متعددة، حول حربها في العراق وإدارتها للوضع العراقي، أو بمعنى أصح عدم إدارتها وعجزها عن السيطرة على الأوضاع هناك، أمنياً وسياسياً.
وقد تكون انتقادات البعض ذات دوافع سياسية مع اقتراب الانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي في نوفمبر المقبل. لكن التقرير الفصلي لوزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون» الذي صدر قبل أيام، لا يمكن تصنيفه في خانة «المعارضة» لإدارة الرئيس جورج بوش.
فوزارة الدفاع جزء من هذه الإدارة، بل هي الجزء الرئيسي والأهم في ما يتعلق بحرب العراق، بدءاً من التحضير وانتهاء بالإخفاق، مروراً بكل القرارات الخاطئة والحملات العسكرية والأمنية الفاشلة، باعتبار أن هذه الوزارة هي الذراع التخطيطية والتنفيذية للسياسة الأميركية في العراق.
تقرير البنتاغون، الذي وصفته وكالة الأنباء الفرنسية ب«التحليل السياسي المتشائم» ورأت زميلتها رويترز أنه «تقرير مروع»، رصد التطورات في العراق خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، وخلص إلى أن «الوضع الأمني بلغ في الوقت الراهن أقصى حدود التعقيد» وأن «جميع المقومات التي قد تقود إلى نشوب حرب أهلية باتت موجودة في العراق»!
فأين الحرية التي جاءت أميركا إلى العراق لنشرها؟ وأين الديمقراطية التي وعدت بجعل العراق نموذجاً لها في المنطقة؟ أم أن المقصود هو حرية الاقتتال وديمقراطية القتل العشوائي والتدمير الأهوج؟ وفي هذه الحالة فالمسألة ليست أكثر من سوء فهم لدى الذين اعتقدوا أو فهموا غير ذلك، وبالتالي فالمسؤولية تقع على فهم هؤلاء واعتقادهم وليس على الإدارة الأميركية وسياستها!
تصريحات الرئيس بوش ووزير دفاعه دونالد رامسفيلد، يبدو أنها تسير في هذا الاتجاه الأخير لتوصيف الحالة. فالرئيس يرى أن «المهمة في العراق تندرج في إطار الحرب الشاملة على الإرهاب» و«النزاع بين الحرية والاعتدال وقوى الطغيان والتطرف».
بينما يؤكد الوزير رامسفيلد أن التهديدات التي تواجه أميركا «تختلف اختلافا جوهرياً عما عداها، وتحتاج في المقابل إلى نهج في التعامل يختلف هو الآخر اختلافاً جذرياً عما عداه».
وما دام الأمر كذلك فكل شيء ممكن ومباح، بما في ذلك اشتعال ـ أو إشعال ـ حرب أهلية في العراق وتقسيمه إلى أقاليم منفصلة أو دويلات ذات استقلال شكلي، فضلاً عن المعتقلات الموجودة خارج سلطة أي قانون أو معيار لحقوق الإنسان، مثل معتقل غوانتانامو وسجن أبو غريب وأخواتهما أو إخوانهما من سجون ومعتقلات علنية أو سرية.
أما الذين يرون الأمور بمنظار مختلف فعليهم أن يفهموا «نداء التاريخ» الذي دعا الأميركيين إلى العراق، ليدركوا أهمية وعظمة ما يقومون به في «معركة أيديولوجية حاسمة» كما يحددها الرئيس بوش الذي يرى، أيضاً، أن «أمن العالم المتحضر يتوقف على الانتصار في الحرب على الإرهاب، وهذا يعتمد على النصر في العراق».
وعلى افتراض أننا فهمنا قصد الرئيس، فهل حققت معركته «الحاسمة» أهدافها المعلنة؟ أم أنه «في العراق كما في فيتنام نواجه إمكانية الهزيمة» كما يقول المحلل السياسي الأميركي ريتش لاوري في افتتاحية لمجلة NATIONAL REVIEW الأميركية المحافظة؟
إن الحديث عن الهزيمة يعني، في حده الأدنى، أن النصر لم يتحقق كما أريد له. وتقرير البنتاغون المشار إليه خير دليل على ذلك، حيث أوضح أن معدل القتل اليومي في العراق وصل إلى 120 قتيلاً عراقياً، وبنسبة ارتفاع بلغت 51% خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة مقارنة بالأشهر الثلاثة التي سبقتها! هذا غير الخسائر البشرية التي تمنى بها القوات الأميركية هناك «بشكل شبه يومي»، كما تقول رويترز.
أما على الصعيد الداخلي فقد وصل التشكيك في أهداف الحرب ومسارها إلى حد أن أكثر من ثلث الأميركيين يشتبهون في أن بعض مسؤوليهم ساعدوا في هجمات 11 سبتمبر أو لم يتخذوا أي إجراء لمنع وقوعها «حتى يمكن أن تذهب أميركا إلى الحرب فيما بعد»، حسب نتائج استطلاع للرأي أجرته في يوليو الماضي خدمة «سكريبس» الإخبارية بالاشتراك مع جامعة أوهايو.
فهل هذا هو الانتصار الذي أرادته الإدارة الأميركية والإنجاز الذي حققته من وراء حربها في العراق؟
إن شعوب العالم والكثير من حكوماته يتمنون أن تكون أميركا فعلاً «قوة من قوى الخير في هذا العالم» كما يصفها الوزير رامسفيلد، فهي الدولة التي تمتلك من القدرات الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية غير المسبوقة في تاريخ البشرية، والتي قد لا تتكرر في مستقبل قريب، ما يؤهلها أكثر من غيرها للقيام بدور قيادي في عالم اليوم.
لكن المؤسف أن قدرات أميركا السياسية، كما تبدو من أساليب ممارستها ونتائجها، لا تؤهلها لمثل هذا الدور. والعراق ليس إلا نموذجاً واحداً من بين نماذج أخرى كثيرة لعدم الأهلية هذا.