«رومولوس العظيم» مسرحية شهيرة للكاتب السويسري المعروف فردريش دورينمات تصور الفصل الأخير من تاريخ الإمبراطورية الرومانية وفيها يقف رومولوس يشاهد الانهيار وهو لا يبالي وعندما يأتيه خبر نهاية جيشه يقابل ذلك بعدم اكتراث بل بسخرية شديدة.

ويرى كثير من النقاد أن المسرحية تعالج فكرة من أفكار فلسفة التاريخ مفادها أن أي حاكم يكون ترتيبه الأخير في أية سلالة حاكمة لا يتحمل بالضرورة مسؤولية زوال ملكها فعوامل الانهيار تتراكم عبر زمن طويل حتى تأتي «القشة التي تقصم ظهر البعير».

بل إن دراسات على أسر حاكمة في الشرق والغرب تؤكد أن هذا الحاكم الأخير يكون في أحيان كثيرة مصلحاً تعجز قدرته ورغبته عن مواجهة تركة التراجع المتراكمة بينما يوصم في التاريخ بأنه المسؤول عن الانهيار لمجرد أنه حدث في عهده.

ويأتي في هذه القائمة كثيرون قديما وحديثا منهم أبو عبد الله ملك غرناطة آخر ملوك الأندلس والسلطان عبد الحميد آخر سلاطين العثمانيين وحديثا ميخائيل جورباتشوف آخر حكام الاتحاد السوفييتي. وفي مسرحيته يصور فردريش دورينمات آخر حكام روما مقتنعا بحتمية سقوطها غير راغب في بذل أي جهد لتلافي هذا المصير.

شجاعة تجرع السم

وقد شهد القرن العشرون مواقف مشابهة كان على أحد الحكام فيها أن يغلب الاعتبارات الواقعية على القناعات والمشاعر الوطنية، فمثلا كانت العلاقات الألمانية الروسية دائما ولقرون متواصلة مخضبة بالدم وكان الاجتياح النازي لروسيا الذكرى الأكثر دموية وإيلاما في ذاكرة الروس وفي عام 1972 وقع المستشار الألماني السابق فيلي برانت اتفاقية مع الاتحاد السوفييتي تنص على تسوية أية خلافات بين البلدين دون اللجوء للقوة.

وهي الاتفاقية التي كان لها دور كبير في بناء جسور من الثقة بين الطرفين ظهرت نتائجها في عهد المستشار الألماني هيلموت كول الذي تمت وحدة ألمانيا على يديه.

وكانت النخبة السياسية في البلدين من الوعي بحيث أقدمت على عقد الاتفاقية متجاوزين الميراث القديم، أما الجماهير على الجانبين فكانت أسيرة (الحقد المقدس) ولذا جاء رد فعلها متشابها، فالقوميون الألمان اتهموا فيلي برانت بالخيانة والقوميون الروس عبروا عن مشاعرهم بالبكاء - الحقيقي لا المجازي - والسياسة إذ تتأسس على المشاعر تخلق مقدساتها ومحرماتها، وأحيانا أوهامها!

وفي الاتحاد السوفييتي كان ميخائيل جورباتشوف الوحيد الذي امتلك شجاعة تقمص دور رومولوس العظيم عبر خطوتين تاريخيتين متواليتين صادمتين: الجلاسنوست والبروسترويكا ويجسد الخلاف في قراءتهما بين الشرق والغرب المأزق العميق الذي يواجهه العقل العربي، فبينما رأى فيها مفكرون غربيون كثيرون - وكثير منهم كانوا متعاطفين مع التجربة الشيوعية - أنها كانت اعترافا شجاعا بحقيقة مرة رأى معظم الكتاب العرب جورباتشوف متآمرا (هدم) الاتحاد السوفييتي وقام بدور مرسوم لخدمة الإمبريالية.

وهذه القراءة التآمرية صدى لفكرة أعمق وأخطر هي أننا لا يمكن أن نكون في موقف وسط بل نحن مخيرون بين النصر والموت، وهو يعبر عنه بيت الشعر العربي الشهير:

وإنا أناس لا توسط بيننا

لنا الصدر بين العالمين أو القبر

مصارحة شيوعي عربي

وتبلغ المفارقة قمتها عندما نقرأ شهادة تاريخية بكل المعايير كتبها شيوعي عربي شهير هو سعد كامل الذي نشر مقالا عن مشاهداته في الاتحاد السوفييتي (الأهرام 8/8/1989): «قضيت في الاتحاد السوفييتي شهراً، وكنت شغوفاً هذه المرة أكثر من أي مرة أخرى بأن أعرف ما يجري هناك من تغييرات ثورية كبرى».

ويكمل: «أصابني الفزع فاستنجدت بصديقي الذي يعيش في الاتحاد السوفييتي منذ زمن طويل، ويتقن اللغة الروسية اتقاناً كبيراً.. كان هذا الصديق كلما قابلني في السنوات السابقة يحكي لي حكايات وروايات مذهلة عن التعفن والبيروقراطية التي أصابت وطن الاشتراكية الأم، ويؤكد لي أنني أستطيع أن أحصل على أي شيء غير موجود، وأن الفساد أصبح ينخر في عظام هذه الدولة العظمى ولكني لم أصدقه بل ساورني الشك في مقاصده».

لكن صديقه حكى له قصة قصيرة فقال: حدث أن شاباً قد تلقى مكالمة هاتفية وكانت المتحدثة سيدة أخطأت الرقم، فاعتذرت، فحاول الشاب أن يداعبها على سبيل المزاح، فقد كان صوتها جميلاً..، فإذا بها تستجيب لدعابته، ولما استمر الحديث وجدها ذكية لطيفة، حاول الشاب أن يعرف رقم هاتفها ولكنها وعدته أن تتصل به من وقت لآخر.

وطلبت منه أن لا يجهد نفسه في الوصول إلى رقم هاتفها أو معرفتها شخصياً، بل يكفي الاتصال التلفوني، ودارت السنوات والمكالمات الهاتفية الليلية تجري بانتظام، وازداد تعلق الشاب بها كل يوم، وكانت السيدة تحدثه عن الفن والسياسة والفلسفة، توصيه بقراءة كتب معينة، وحينما ألح الشاب عليها لكي يقابلها، وعدته خيراً شرط أن لا يتحدث إليها وإلا أصابها وأصابه الضرر..

وهكذا كان بعد أن وصفت نفسها له، وبعد أن حان الموعد دخلت سيدة تحمل نفس الصفات فإذا بها عجوز شمطاء مترهلة.. وكم كانت الحقيقة قاسية.. فأخذ الشاب يتلفت، ويخادع نفسه المصدومة ويتخيل حتى أيقن أن فتاة شابة، جميلة، تلبس ملابس العجوز هي التي تحدثه في الهاتف كي يصدق الوهم الذاتي.

وبعد أن قص عليه صديقه هذه القصة الرمزية التي تبين أن الشيوعيين العرب قد راهنوا على العجوز التالفة التي تمثل لهم مصدر الإلهام والحكمة الماركسية بينما يعرف الجميع بشاعتها وترهلها وفسادها.. في ذات الوقت يراهن جزء منهم على الشابة التي لا تحمل سوى ملابس حمراء فاقعة علَّها تحمل خلاصاً، وهي الشابة الجذابة.

والتي تلقى رواجاً على أرض الجحيم الشيوعي.. ثم ينهي قصته قائلاً: لقد كنت ألمح الشك في عيونك عندما كنت أحدثك عن السلبيات والأخطاء التي كانت تصل لحد الجرائم، ولما كانت لغة الإيديولوجيات والأفكار تلقى هجراناً.. فقد اخترت هذه القصة الرمزية.

ويمضي سعد كامل في اعترافاته فيصف لقاءه مع صديق من الحزبيين السابقين «الحرس القديم» قائلا: «كان متحفظاً في لقائي هذه المرة سألته عن البروسترويكا، فقال: بروسترويكا.. بروسترويكا.. كل الناس معها.. ما دامت الحكومة كذلك».

ثم قال: «أنتم الشيوعيون العرب سبب البلاء، أنتم - وبصفة خاصة المصريين - كنتم أشد ملكية من الملك نفسه حيث كنتم تؤيدون ستالين وبرجنيف وشجعتم على وقوعنا في الخطأ»!

والمؤكد أن توجيه الاتهام على هذا النحو ينطوي على مبالغة لكنه لا يخلو من دلالة فالسياسات «الشعبوية» تجعل البدائل محددة سلفا والخيارات محدودة وفي ظلها من الصعب جدا أن تجد الأمم التي تعاني هذه المشكلة شخصا في شجاعة فيلي برانت أو جورباتشوف أو رومولوس العظيم!

كاتب مصري