في لقاء صحافي غير مسبوق، تحدث الأمير سعود الفيصل وزير خارجية المملكة العربية السعودية عن الوضع العربي الراهن، وأوجز النقاط في ذلك الحديث المثير:

ـ تدرس المملكة الوضع العربي المأساوي الذي جعل شعوب المنطقة في حيرة وارتباك حول مصالحها ونظرتها إلى العجز الظاهر في تعاطي حكوماتها مع التحديات، محذراً من فقدان الهوية العربية، وعلاقات بعض الدول العربية مع أطراف على حساب مصلحة العرب أنفسهم، وان خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله وجه حكومته لإعداد الدراسات المطلوبة لتغيير هذا الوضع تمهيداً لعرض الدراسات أمام قادة الدول العربية.

ـ إن التصنيفات التي تسمي الدول العربية إلى رجعية، تقدمية، دول صمود وتصدٍّ، دول المواجهة، ودول المساعدة، أدت إلى شلل العمل العربي المشترك، والمطلوب الآن هو التقويم الأساسي والموضوعي لدور الجامعة وأعضائها وتحديد منهجية العمل المشترك من أجل إصدار قرارات تعالج الوضع بشكل جوهري، والمطلوب أيضاً تجاوز اجتماعات ردود الفعل والشجب والاستنكار وتخطيها إلى العمل الإيجابي وبما يستجيب لمتطلبات الشعوب العربية.

وهنا يستذكر الأمير سعود قواعد العمل العربي في بداية نشأة الجامعة والتناغم بين الدول الأعضاء في ذلك الوقت. ومن باب الصدف أن تأتي المداخلة المشبعة بالألم من الوضع العام مع تصريحات للسيد سيف الإسلام ـ ابن القذافي ـ الذي نعى فيه حصاد الثورة الليبية في ثلاثين عاماً، ومع تصريحات السيد حسن نصرالله زعيم حزب الله الذي اعترف فيه بأنه لم يتوقع ردة الفعل الإسرائيلي على اختطاف الأسيرين .

وأن واحداً في المئة من الدمار الذي حل في لبنان لا يبرّر أسر الجنود الإسرائيليين، ويتزامن أيضاً مع سياسة حافة الهاوية التي يتبناها الرئيس السوداني الذي هدَّد بالتخلي عن قصر الرئاسة واستبداله بقيادة مقاومة عسكرية ضد أي قوات أمنية يقررها مجلس الأمن حول دارفور، وتمريغ أنف بريطانيا في التراب كما فعل السودانيون من قبل الذين طردوا المستعمر البريطاني.

ولا نتجاهل صرخة الرئيس محمود عباس (أبومازن) الذي يدعو فيه المنظمات الفلسطينية إلى وقف إطلاق الصواريخ التي تأتي للشعب الفلسطيني بالموت والدمار.

جاء قرار الملك عبدالله بوضع دراسة كاملة عن القصور في العمل العربي وسط هذا التشابك من الصراخ والتحدي والارتجال والاعتراف بأخطاء، وأتصور ثقل المسؤولية على واضعي هذه الدراسة التي أمر بها الملك ليضعها أمام القادة العرب لمعالجة النقاط التي أشرت إليها في صدر هذا المقال، والتي لا بد لهذه الدراسة أن تشخِّص المشكلات منذ بداية الخمسينات على الأقل، مع ملاحظة ما يلي:

أولاً: خرج العالم العربي منذ بداية الخمسينات من مرجعية العقل إلى مرجعية العوام في خطب الميادين التي اعتبرتها زعامات الانقلابات استفتاءات شعبية وشرعية تمنحها التصرف بإرادة الشعب وفق قناعة المجموعة العسكرية التي تحتكر الحكم، وجاءت بانقلابات غير شرعية.

أدخل الحكم المصري العسكري الدولة المصرية في صراعات طبقية داخلية متوترة، وأدخل في السياسة العربية أساليب التحريض ضد شرعية الدول في ممارسة تخويف وابتزاز وتخوين سببت تصدعات أدت إلى تطبيق الحماية الوطنية ضد الهجوم العنيف والسوقي الموجه لقيادات عربية لم تنسجم مع تصورات قيادة مصر، فلجأت هذه القيادة العسكرية إلى التحريض والتآمر كانت حصيلته انقلابات العراق، ليبيا، سوريا، اليمن، ومحاولات عنيفة ضد السعودية والمغرب والأردن.

وتولت السلطة في سوريا والعراق قيادات غير مؤهلة شاركت مع النظام المصري في دبلوماسية الإثارة والتجريح والدفع نحو حافة الهاوية، مع تقسيم الدول العربية إلى رجعية وتقدمية وثورية وخائنة.

خلال تواجدي في الأمم المتحدة تعرفت على حجم السخط الأميركي الرسمي وكذلك في مؤسسات الفكر والتحليل والدراسات على مواقف الناصرية من تعهدات أميركية قدمت لإسرائيل للانسحاب من غزة وسيناء عام 1956 مقابل حرية المرور في مضيق تيران، وعلى الغضب الأميركي بسبب دوره في إخراج المحتلين من الأراضي المصرية.

وهو ما سبب الموقف الحاد الذي تبنته واشنطن من احتلال إسرائيل للأراضي المصرية عام 1967، كان هناك شعار دائم وهو لا مكان لسويس آخر في الدبلوماسية الأميركية، ولا أعتقد أن قيادة مصر على اطلاع على حجم الغضب الأميركي من تصرفاتها في مايو 1967.

سياسة حافة الهاوية، واسترضاء العوام واستفتاء الجماهير أضاعت مصر، وأضاعت كذلك سوريا فقد استولت مجموعة المندفعين على الحكم عام 1966، وأخذت في التحرش بإسرائيل مما أدى إلى انفلات الوضع ثم النهاية المؤلمة في حرب 1967.

نتمنى أن تتضمن حصيلة الدراسة التي تضعها السعودية تشخيصا لتجارب الماضي وإبراز الحقائق التي لا يمكن تحاشيها، وأول هذه الحقائق هو الأذى الذي سببه احتكار القرار بيد شخص واحد أو مجموعة عسكرية وما يسمونه بالدكتاتورية العسكرية سواء في حالة مصر أو ليبيا أو السودان، كان الرئيس عبدالناصر ينتظر دائما الانفراج الدبلوماسي الذي قد يأتي من تدخلات دولية مثل ما حصل في عام 1956.

وكان يطمح بتكرار التجربة في عام 1967، ويكشف هذا الأمل عجز القيادات العسكرية عن فهم المعطيات الدولية وعجزها عن الفهم للعمل الدبلوماسي الدولي وعجزها عن الانسجام والتأقلم مع القواعد التي يقوم عليها نظام الأمن العالمي.

ويمكن للدراسة السعودية ان تضع شروطا يقيد الاعتراف العربي داخل الجامعة بالتبدلات غير الشرعية التي قد تحدث، بحيث يتم تجميد عضوية الدولة التي تتم في انقلابات على شرعيتها، ويتم عزلها ومواجهتها.

كما يجب للدراسة ان تتناول كوارث العرب من قبضة الدكتاتوريات العسكرية على شعوبها، لندرس مثلا حالة مصر التي أنهكها الحكم العسكري، والسودان التي وترها، وغيرها من الدول العربية.

وهناك شيء آخر في الدكتاتوريات لا يقل خطورة عن الدكتاتوريات العسكرية، وهي دكتاتورية الأيدلوجية التحريضية، التي دمرت العراق وأدخلتها في حروب مع الجيران، ومع شعب العراق ومع الأسرة العالمية لان العمل السياسي الايديولوجي يسبب التوتر ويخلق الاضطراب ويقسم الشعوب ويثير النعرات الطائفية ويخوف الأقليات، مع عجز كامل للقراءة الصحيحة للأحداث العالمية.

ورفض لممارسة التحليل العلمي الموضوعي لها، وتجذير الخوف والهلع داخل طبقات الشعب الواحد مع اللجوء إلى وسائل العنف والأدوات المخابراتية والاعدامات لتأمين بقاء الحكم.

يتحدث الأمير سعود عن الهوية العربية وعلاقات بعض الدول العربية مع أطراف على حساب مصلحة العرب أنفسهم، وهنا نشير إلى جرأة إيران في طلب حضور اجتماعات وزراء خارجية العرب التي عقدت في بيروت والقاهرة لبحث أوضاع البنان، وتصريحات وزير خارجية إيران في زيارته إلى لبنان ومعارضته للنقاط السبع عند لقائه مع السنيورة رئيس وزراء لبنان، وإلى طلب إيران من الكويت وربما من دول الخليج الأخرى، التنسيق في تقديم المساعدات إلى لبنان.

كل ذلك يتم بغطاء بعض العرب سواء في سوريا أو لبنان أو ربما في السودان، لأن التوافق الأيديولوجي المصلحي يتفوق على قواعد العمل العربي المشترك التي وضعتها الجامعة العربية في بداية حياتها عندما كانت الحكومات تتسلح بالعقل والشرعية والشفافية.

يمكن ان يستمع سمو الأمير سعود إلى أوجاع لبنان مع حزب الله الذي ورط الدولة ودمر قواعدها ويتواصل في الدراسة إلى مسببات تلك الأوجاع ومنها العجز العربي عن مجابهة استفرادات حزب الله وتجاوزاته في جنوب لبنان والسكوت العربي عن ممارسة حافة الهاوية وتوظيف الجماهير الشعبية كدبلوماسية خانقة للعقل وطاردة للنقد.

ولعل دراسة المملكة القادمة تقول وبصراحة عن مخاطر نشوء دويلات حزينة داخل الدولة الواحدة، بسلاحها وجيشها وأيديولوجيتها وتحللها من الاستراتيجية العامة للدولة، وإضعاف شرعيتها، ومواجهة مصالحها وتناغمها مع عناصر من الخارج.

دور المجموعة العربية الشرعية التي تمارس مرجعية العقل هو مواجهة مثل هذه المواقف المدمرة سواء من حماس أو الجهاد أو حزب الله أو من الدول التي تدعمها.

خرجت مصر من فصول الدمار منهكة ومتعبة، أعاد الرئيس حسني مبارك إلى مصر توازنها وحصنها بالعقلانية وبالحكم الراشد، ويسعى العراق جاهداً إلى الانضمام إلى كوكب العقلانية مع الأردن والخليج ومصر، وتبقى في سوريا دائما البراغماتية الشامية التي ستكون العنصر الفاعل في رسم مسيرتها المستقبلية، وحتى السودان الصاخب بالتحدي الشعاراتي، تخرج منه أصوات العقل والتهدئة.

وبهذه الأجواء التفاؤلية ننتظر دراسة الأمير سعود حول عودة الروح إلى العمل العربي المشترك بقواعد جديدة يرتفع فيها الذوق العربي متخليا عن سوقية البعض، وتحياتنا إلى صوت النقد والصلابة في الدبلوماسية السعودية المتدفقة.

كاتب كويتي

Abdullah_bishara@yahoo.com