ما أن توقف ـ من غير أن ينتهي ـ عدوانها على لبنان، حتى راحت إسرائيل تمارس وتوزع التصعيد؛ على الجبهات الأخرى. طبعاً لا غرابة في ذلك. فتاريخها مجبول بالتفجير. وخبزها اليومي معجون بالتأزيم. قوات احتلالها لم تغادر المناطق الحدودية للبنان.
لم تفك بعد حصارها الجوي والبحري عنه. آثار حربها الهمجية مازالت جاثمة على صدر هذا البلد وأبنائه. ونزف جرحه الكبير لم يتوقف بعد، ولن يتوقف قبل حين.
مع ذلك ومن دون خسارة وقت، سارعت إلى الاستفزاز وإطلاق التهديدات شمالاً ويميناً وكأن أولمرت، الذي ارتدت عليه حربه اللبنانية، يريد تحريك وتأزيم ملفات أخرى؛ علّها تخطف الأضواء عن مشاكله التي عاد بها من جنوب لبنان. أو ربما قد يذهب إلى أبعد من ذلك، إنقاذاً لرأسه ورأس حكومته.
الاستفزاز كان من نصيب الجانب الفلسطيني؛ إذ تراجع أولمرت عن القيام بأية انسحابات من الضفة وأعطى موافقته لبناء 6900 وحدة سكنية في الضفة. وبالتحديد في أكثر مناطقها حساسية؛ لقربها من القدس الشرقية. التهديد، هذه المرة، كان من نصيب سوريا؛ التي توعدها باستخدام قوة إسرائيل «الضاربة كلها»؛ لو انفجرت الحرب معها! الرسالة واضحة:
إسرائيل المجروحة في لبنان تبحث عن تعويض لجرحها. تلوح بالعصا للترهيب من جهة؛ وللتنصل والتهرب من التزاماتها وقطع الطريق عليها. لاسيما وان الأصوات الأوروبية بدأت، مؤخراً، تذكر بهذه الالتزامات وتتأهب للقيام بدور ما في تحريك عملية السلام. ومثل هذا الهروب بات مكشوفاً بعدما تحول إلى نمط في السياسة الإسرائيلية.
فالعالم كله يدرك ويرفض، كل جوانب التحايل والتصعيد في هذه السياسة. باستثناء واشنطن، التي اعتادت على حماية مثل هذا التحايل، عن طريق اللعب والتحايل على الكلمات والمفردات! فهي تتعامل مع قرارات إسرائيل الخاصة بتوسيع المستوطنات بلغة ملتوية تبطن الموافقة من دون ان تقولها صراحة. فهي تزعم أنها «تعارض» التوسع الاستيطاني! لكنها لم تقل مرة بأنها لا تعترف به. ناهيك بأنه ينبغي التراجع عنه.
كما تبرر اعتراضها على أساس أن مثل هذا الأمر «يعرقل» مفاوضات المرحلة النهائية! لكنها لم تقل مرة بأن تمدد المستوطنات «غير شرعي». حتى إن تل أبيب رفضت أكثر من مرة، ترسيم المستوطنات، خاصة تلك القائمة، بالقرب من القدس الشرقية؛ كي لا تنضبط بحدودها. وواشنطن بلعت الرفض وأغمضت عينيها عن الموضوع.
وطبعاً ادارت الأذن الصماء لتهديد أولمرت لسوريا، ولاتزال تغض الطرف عن انتهاكات حكومته للقرار 1701، وبالتحديد لمواصلة الحصار على لبنان ـ باعتباره عملاً عدائياً طالب القرار بوقفه. والمؤلم أكثر أنه في ذات اليوم الذي وقف فيه أولمرت يوزع تهديداته واستفزازاته، كان الوضع الفلسطيني يغرق أكثر وأكثر في حروبه السياسية ـ الحكومية التي لا يبدو أنه يعتزم وضع حد لها.
رئيس الحكومة يلقي خطاباً يتهم فيه منظمة التحرير الفلسطينية بالعمل على تفشيل حكومته. الإضرابات تتواصل وعمليات التراشق السياسي تتعنف. وكأن الساحة قادرة على احتمال مثل هذه الممارسات في هذه اللحظة البالغة الدقة والخطورة من تاريخ القضية الفلسطينية!
إسرائيل في حالة هجوم متجدد. بدأته بالعدوان على لبنان، ولا تخفي نيتها في سحبه إلى الساحات الأخرى في أقله. على الوضع الفلسطيني والعربي توفير شروط الدفاع في وجه هذا الانفلات.