أكراد العراق عاشوا معاناة معظم العهود الحاكمة في العراق، وكانوا الفئة الاجتماعية التي لم تُنصف أو تُعطى حقوقها أسوة بالمجاميع الأخرى، ولأن دوافع اليأس تجعلك «تتحالف مع الشيطان» كما قال الزعيم البريطاني (تشرشل) فالأكراد نتيجة لضغوط عليهم ذهبوا لأكثر من حليف من أجل كسب دور لقضيتهم، لكنهم لما يتحالفوا على طريقة (تشرشل) وإنما على السائد في المنطقة العربية والتي تأتي مكاسبها لصالح الطرف الخارجي..
فزعماء كردستان العراق هم أول من فتح نافذة على إسرائيل في عمق هيجان المرحلة القومية العربية والثورية، وكانوا الأقرب إلى قلب الشاه من زعماء الأتراك والعراق، وعندما وصل التمدد السوفياتي إلى المنطقة تحولوا إلى مؤيدين للشيوعية، هذا عدا حروب كردية - كردية، وأخرى مع تركيا ثم جاء صدام ليكون الكارثة الأعم والأكبر، وقطعاً نعطي للأكراد الحق في الدفاع عن أنفسهم بالوسائل التي تحقق لهم مطالبهم المشروعة، إلا أن الوضع العراقي الراهن، ربما جعلهم يقفزون لأكثر من حاجز قد يقعون في أحدها، وعملية إنزال العلم العراقي الذي يشكل وحدة الأقاليم من قبل مسعود البرزاني، ربما جاءت كوسيلة اختبار لرد الفعل العام العراقي والإقليمي، وفي ظرف قد يكون اختياره مناسباً، إلا أن مثل هذه المؤشرات قد تضع القضية فوق أكثر التصورات تفاؤلاً، لتعود سيرة عداوات وصداقات الأكراد الفاشلة، والقليل منها الناجح..
فإذا ما افترضنا أن العراق الحالي مريض بواقعه، وأن المنطقة الكردية الوحيدة الآمنة، والبعيدة عن تيارات التجاذبات والحروب بين التيارات المتصارعة، فإن الأكراد في قلب المعركة من خلال حدود بين أكبر قوتين إقليميتين تجاوران العراق..
فتركيا تعلن بشكل صريح رفضها لأي إقليم كردي، ونفس المنطق والأهداف موضوعة على استراتيجية إيران تجاه رفض أي منطقة كردية مستقلة، وبالقياس فمعظم أو كل العراقيين بالداخل يرفضون مثل هذه الخطوات، وحتى مع افتراض أن الزعامات الكردية تتكئ على الحائط الأمريكي الصلب، فأمريكا لن تجازف بجعل التحالف مع إقليم كردي صغير، يوازي أهمية ودور تركيا كقوة إقليمية كبرى تحتاجها في حركتها في المنطقة العربية، أو آسيا الوسطى، أو تجاه تنامي القوة الروسية، إذن الكرد في هذا الموقف، قد يستعجلون خطواتهم لاستغلال الفرص التي قد لا تتكرر، لكن هذا محاط بمخاوف أكبر، لأن رمزية إنزال العلم العراقي وتبديله بكردي، قد تدفع العراقيين للتحالف مع قوى أخرى لديها استراتيجيات أهم من قضية إعلان الانفصال، أو إعلان خطواته الأولى، ولديها مبررات التدخل ضد هذا الانفصال..
العراق قضية معقدة قد تخلق مشاكل ليس فقط للداخل العراقي ووحدته المقسمة شعبياً وجغرافياً، وإنما لتداخله بقوى أخرى، قد تجعل العراقيين هم من يدفع الثمن نتيجة أي خلل بوحدته أو أن تعلن فئة أو قومية، أو حزب قوتها على الآخرين، والنتيجة (مبايعة الشيطان)..