البحر.. لقد أهملناه منذ عثرنا على النفط. وكان البحر مصدر حياتنا ورزقنا في السابق. عبره أجدادنا حتى وصلوا إلى شواطئ ممباسا وزنجبار في أفريقيا. وتجاوزوا سواحل الهند التي كانوا يعرفون موانئها واحداً واحداً.
كان الخليج لنا مثل الأرض لدى بقية العرب وكان إقطاع البحر أيام صيد اللؤلؤ يمارس يومياً حيث الغواص الأجير يحمل دين والده عندما يموت ويحل محله عند صاحب البوم ويظل يعمل حتى يسدد دين والده. وانحصرت جميع أنشطتنا وحياتنا حول البحر بل أصبحت هي البحر.
الآن وبعد أن جفت الينابيع العذبة من البحرين في بحرها وبرها وانقرضت الزراعة وحل الإسمنت محل النخيل.. نرى البحر بكل مباهجه وتاريخه يضيع أمام أعيننا، كيف لا والطمع والفساد هما المسيطران على الأجواء.
لذلك كان علي أن أذهب إلى ورشة عمل حول «مصير فشت العظم» لأرى وأسمع ما يقوله محبو البحر. والفشت لمن لا يعرفه هو مياه ضحلة في الخليج قريبة من اليابسة تكثر فيها الأسماك وأحياناً تصبح جزراً رمليه أثناء الجزر.
لم يخطر ببالي أن أرى هذا الحشد الكبير من الشباب المحبين للبحر والمدافعين عنه بكافة الوسائل.. غمرتني فرحة عارمة وزال عني الشك حول مصير المنطقة وبيئتها البحرية إذا كان هؤلاء الشباب الذين نعتقد (نحن الكبار) أنهم لا يعيرون أدنى اهتمام لقضايا بلدهم. لم تعد قضايا البلد كما كانت سابقاُ بل أضيفت إليها المحافظة على البيئة ومحاربة التلوث والفساد والدفاع عن قضايا المرأة.
رأيت الشباب يمارسون حقوقهم ويحتجون وينظمون الندوات ويخاطبون المسؤولين بلغة الأرقام والحقائق، ويعززون مواطنتهم يوماً بعد يوم. لا خوف على منطقتنا ما دام هناك شباب يتكتلون للدفاع عن البيئة بتلك الصورة.
لماذا فشت العظم ؟ يعتبر هذا الفشت من أهم الموائل البحرية في البحرين ويبلغ طوله 14 ميلاً وعرضه 5 أميال مكوناً ثاني أكبر الفشوت البحرينية بعد فشت الجارم ولا يتعدى مستوى الماء فوق معظم سطحه أثناء الجزر نصف متر.
ويحتوي على الكثير من أنواع المرجان والحشائش البحرية ومراعي الأسماك. يتميز فشت العظم بأن التيار المائي للخليج يمر به مما يجعله مكاناً مفضلاً تلجأ إليه يرقات الأسماك للنمو وتمر من خلاله إلى المناطق الشرقية من البحرين كما أنه يعتبر ممراً رئيسياً في خط سير الربيان.
ينتج الفشت ما مجموعه 6 ملايين كيلوجرام من الأسماك سنوياً ويعتاش منه 1474 صياداً بحرينياً يعيلون 12 ألف فرد من أسرهم. أما إذا تم تطبيق البحرنة الكاملة في قطاع الصيادين فسيرتفع العدد إلى 4667 صياداً يشكلون مع أسرهم حوالي 35 ألف فرد.
إلى جانب سرقة رمال فشت العظم من قبل بعض المتنفذين للمتاجرة بها، تواجه الفشت مشكلتان رئيسيتان تكادان تطيحان به أولها مشروع إنشاء مدينة سكنية عليه وثانيها إنشاء جسر قطر ـ البحرين حيث يمر الجسر عليه ويدمر بيئته.المشكلة الأولى تشمل بناء عشرة آلاف وحدة سكنية بمساحة 5,6 كيلومترات مربع، بالرغم من توفر سواحل البحرين الشرقية الجنوبية التي من الممكن أن تبنى فيها المدينة المنشودة.
أما المشكلة الأخرى وهي إنشاء جسر البحرين ـ قطر فالمشروع في رأيي حيوي وبالغ الأهمية بالنسبة لمستقبل البحرين الاقتصادي والسكاني ونحن مع إنشائه بل وبأقصى سرعة.
ولكن الاعتراض يكمن في مرور هذا الجسر بفشت العظم والمقترح هو أن يمر على حدوده الجنوبية و أن تكون هناك جسور معلقة كافية بحيث تشكل 75% من الجسر وليس كما اقترحت الهيئة المعنية بأن تتشكل الجسور المعلقة من 56% من كامل الجسر بسبب ازدياد التكلفة مع زيادة طول تلك الجسور.
وأن يمر الجسر على الحدود الجنوبية للفشت وليس بداخله. أجاب المؤتمرون في نهاية الورشة على ثلاثة أسئلة محددة: مالذي تخسره البحرين بخسارة فشت العظم ؟ وهل تستطيع البحرين تحمل مثل تلك الخسارة؟ وأما السؤال الأخير والأهم فهو: ما الذي نستطيع عمله لمنع هذه الخسارة؟
بخسارة هذا الموقع سوف نخسر تراثاً بحرياً إلى جانب كونه مخزونا غذائيا ليس للإنسان وحده ولكن لكل الكائنات البحرية. وطالب المؤتمرون بتنسيق إقليمي لحماية البيئة البحرية في الخليج عن طريق تشكيل اتحاد إقليمي للجمعيات البيئية في المنطقة وتوحيد القوانين المتعلقة بالبيئة. كما طالبوا بزيادة نشر الوعي بين الناس والانضمام إلى التكتل البيئي لحماية فشت العظم.
كاتبة بحرينية