يعيش السودان هذه الأيام احتقاناً سياسياً خانقاً وأزمة حقيقية. فقد وصل نظام الإنقاذ ـ والذي يصّر على ارتداء اسم حكومة الوحدة الوطنية مع تغييب الشركاء ـ إلى مأزق وطريق مسدود قام النظام بسدّه، بحيث لم يعد يقود إلى أي مخرج ممكن. فعلى الصعيد الخارجي، قرر نظام الإنقاذ مواجهة المجتمع الدولي ورفض قرار مجلس الأمن الخاص بالقوات الدولية في دارفور، مقدماً، ومهما كانت التعديلات التي ستدخل عليه.
واختار النظام التصعيد والمزايدة على أي دبلوماسية وحوار وحلول وسط. وانعكست الآية كما يقولون، فالمجتمع الدولي هو الذي يلاحق النظام لكي يقنعه ويجذبه إلى التوافق مع الإدارة الدولية.
وكان يحدث العكس في السابق، يسعى النظام إلى إرضاء مجلس الأمن خشية العزلة. فمن أين أتت لنظام الإنقاذ هذه القوة لمواجهة المجتمع الدولي والذي يصر النظام أنه الولايات المتحدة الأميركية؟ يخطئ من يظن أن معركة النظام السوداني هي حقيقة مع العالم الخارجي، أنها معركة سياسية داخلية بحتة يسعى النظام فيها إلى توظيف الخارج.
يحاول النظام السوداني اختلاق قضية سيادة وطنية مصطنعة من أساسها. فالنظام السوداني يعد حسب تصنيف عالمي معتمد، لأداء الدول، على قمة الدول الفاشلة. ومن أهم معايير تحديد الدولة الفاشلة عدم قدرتها على فرض كامل سيادتها على كامل ترابها الوطني. فهل استطاعت دولة الإنقاذ الحالية فرض سيادتها على المليون ميل مربع التي تحصرها حدود دولية معترف بها منذ الاستقلال 1956؟
لقد فرطت الإنقاذ في هذا المبدأ بسبب الحرب وفي السلام أيضاً. فقد ظلت الحركة الشعبية لتحرير السودان تسيطر على أجزاء كبيرة من جنوب وشرق البلاد، ثم تكرر نفس الأمر في دارفور، والشرق على الأقل عرضة لظاهرة اضرب واهرب. وفرطت الإنقاذ في السيادة الوطنية حين سمحت اتفاقية السلام الشامل بوجود قوات دولية في السودان.
ومن المعلوم أن السيادة الوطنية تخرق مرة واحد وللأبد، وأقصد لا يمكن الآن القول بأن الاتفاق الدارفوري في أبوجا يختلف، وبالتالي فإن وجود القوات الدولية سوف ينتهك السيادة الوطنية. فالمبدأ الخاص بالتدخل قُبل سابقاً.
والآن هناك أسباب بعيدة عن هذا المبرر الواهي وهي ذات صلة بالوضع الداخلي. خاصة وأن الموقف الحكومي ازداد تشدداً في الفترة الأخيرة مع أن مسؤولي الأمم المتحدة بما فيهم كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة زاروا السودان وذهبوا إلى دارفور وقابلوا قيادات رسمية. ولم يسمعوا هذه اللهجة الحادة المنتشرة الآن. وكان التحفظ في البداية على ضرورة موافقة حكومة السودان. وهذا ما تضمنه القرار الحالي 1706.
إن هذا الضجيج له صلة مباشرة بتردي الأوضاع الداخلية. وهذه سياسة قديمة تمارسها النظم الفاشلة أو الضعيفة في حالات الأزمة، أي ترحيل الاهتمام والانشغال إلى موضوع خارجي. فقد تقوم النظم الشمولية بإعلان حرب على الجيران أو تأميم شركات أجنبية. وفي هذه الحالة يرفع الشعار الشهير: لا صوت يعلو فوق صوت المعركة!
وهنا تجد المبرر الوطني والثوري لإسكات أي صوت معارض في الداخل، لأن الوطن ـ حسب إدعائها ـ مستهدف ومن الخيانة أن يُشغل بمعارضة داخلية مهما كانت أسباب التذمر. فالنظام الحالي ـ وبالتحديد ـ المؤتمر الوطني الشريك الأكبر ـ في حكومة الوحدة الوطنية كما تسمى، يعيش عدة أزمات سياسية واقتصادية خانقة، والانتخابات تقترب.
تكمن الأزمة السياسية في عجز الإنقاذيين عن تكوين حزب سياسي حقيقي مستقل عن موارد الخزينة العامة. إذ ظل حزب المؤتمر الوطني يعتمد على سلطة حكومية رسمية وليست جماهيرية أو شعبية، وحّول الحكومة القائمة إلى حكومة الحزب. ولم يمتلك عضوية ديمقراطية بمعنى أنها تأتي إلى التنظيم عفوياً وتطوعياً بسبب الاقتناع بفكرة بل تجذبها ضمانات لاستمرار مصالحها الثابتة.
إذ مازال الحزب يفشل في أي عملية تعبئة جماهيرية للمواكب والمظاهرات، ما لم يجبر الطلاب والموظفين والعمال ويرحّلهم بسيارات مستأجرة ويقدم الوجبات ويدفع المال للجان الشعبية في الأحياء.
فمن الواضح أننا أمام حزب غريب رأس ضخم بلا جسم لأن القيادة وهم من الوزراء والحكام والمسؤولين، ذوي قدرات معينة في الخطابة والإثارة أو في التنظيم الذي اكتسبوه في الجامعات.
ولكن لا توجد كوادر وسيطة قادرة خارج النخبة الحاكمة، ولا توجد قواعد شعبية واسعة. فهل سيغامر مثل الحزب في دخول انتخابات عامة نزيهة بعد عامين؟ والحل إما افتعال معارك كبرى تلغي حتى الاتفاقية التي نصت على الانتخابات، أو اللجوء للتزوير وهذه مخاطرة فشلت في انتخابات الاتحادات الطلابية.
كانت الأزمة الاقتصادية هي الضربة القاصمة لاستقرار النظام. فقد عّول النظام على استخراج البترول وحلم بأن تنتهي المشكلات الاقتصادية للأبد. ولكن فهلوة النظام المعهودة جلبت له الأزمة عوضاً عن الوفرة والرخاء، إذ كان يريد أن يأكل الكيكة ويحتفظ بها في نفس الوقت كما يقول الفرنجة. أراد تحويل عائدات البترول إلى مال سري مستباح وفي نفس الوقت يبشر بأن السودان البلد النفطي انطلق في طريق الازدهار.
ويتذكر الجميع كيف استمات المؤتمر الوطني في وزارة الطاقة والنفط وكاد أن ينسف الاتفاقية. وكررت الإنقاذ سريعاً تجارب الإفقار رغم غنى البلد، وتظل نيجيريا المثال الجيد. وجاءت الميزانية الأخيرة لتسجل عجزاً محيراً وكان الحل أكثر عجائبية:
زيادة أسعار سلع إستراتيجية مثل السكر والوقود. وعم السخط الناس ورغم كل العيوب الذاتية للمعارضة، استطاعت هذه المرة أن تخلق أولاً رأياً عاماً كاسحاً ضد الزيادات. ولكن الأهم من ذلك استطاعت للمرة الأولى منذ انقلاب 30 يونيو 1989 أن تنزل جماهيرها إلى الشارع. ومهما كان حجم المظاهرة الرافضة، فقد كسرت احتكار الإنقاذ للشارع. لذلك كان رد فعل السلطة فزعاً وعنيفاً.
وسط هذه الأزمات كان لابد للمؤتمر الوطني أن يفتعل معركة ومواجهة مع مجلس الأمن والمجتمع الدولي، ويحولها بقدرة قادرة إلى معركة ضد الاستعمار الجديد. وهذا موقف شديد التناقض إذ مازال المجتمع الدولي هو الذي يلبي حاجات الإغاثة الإنسانية في السودان. وحتى هذه اللحظة يستغيث مسؤولون سودانيون في مناطق الأمطار والفيضانات بالمجتمع الدولي.
ولكن حزب المؤتمر الوطني يلجأ إلى التدليس حين يطابق بين مجلس الأمن أو المجتمع الدولي وبين أميركا والامبريالية. وبالتأكيد لمجلس الأمن مواقف متخاذلة وتستغل أميركا نظام التصويت وممارسة الضغوط.
ولا أعتقد أن هذا هو الحال في دارفور إذ نواجه وضعاً إنسانياً حرجاً، كنا نتمنى لو كانت لحكومة السودان القدرة والإرادة والحكمة لمعالجته ومواجهته دول تدخل المجتمع الدولي. وعلى المؤتمر الوطني ألا يخلط الأوراق وأن يواجه معركته الداخلية بأدوات سياسية داخلية.
وأن يتعامل مع القضايا الدولية بدبلوماسية وحسن تقدير للأمور بعيداً عن التشنج والضجيج غير المجدي. ولكن النظام أدخل البلاد في نفق مسدود وأخشى أن يعمل بسياسة هدم المعبد: علي وعلى أعدائي.
كاتب سوداني
