بعد انتهاء مدة الإنذار كررت إيران ردها بأنها ماضية في برنامجها النووي السلمي مؤكدة أنه لا يهدد أحدا. الولايات المتحدة تصر على أن ذلك مقدمة لصنع السلاح النووي، ويجب التصدي له بفرض العقوبات. الآن، ماذا بعد ؟ ما العمل للخروج من الوضع المأزقي؟
ليس من بين أعضاء مجلس الأمن الدائمين الخمسة وألمانيا (5+1)، التي أشهرت الإنذار، من يتفق مع الولايات المتحدة في نهجها المتشدد. وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف وضع النقاط على الحروف حين أشار إلى أن منطق تطور الأمور يقول بأن العقوبات إذا ما فرضت فستكون الخطوة الأولى نحو عملية عسكرية أميركية جديدة في منطقة الشرق الأوسط.
ولسان حال هذه الدول، كبقية دول العالم، يقول أنه حيال جدلية أي الخطرين أفدح، خطر احتمال صنع إيران للسلاح النووي بعد سنوات أم خطر منع تحقيق ذلك الاحتمال عن طريق حرب تجر على المنطقة والاقتصاد العالمي كوارث مدمرة، لا يختلف عاقلان في أن الحرب هي الأخطر بكل تأكيد.
لماذا سيقود منطق تطور الأمور نحو الحرب في حال فرض عقوبات متشددة على إيران؟ الحصار الاقتصادي السياسي ومقاومة إيران له ستؤدي حتما إلى ارتفاع أسعار النفط حسب بعض الخبراء إلى 100 ـ 150 دولارا للبرميل، وهذا يعني أنه مهما قلت صادرات إيران النفطية فإنها ستعوض، بسبب فارق السعر، عما لم تستطع تصديره.
أما إذا ارتفع السعر إلى 200 دولار للبرميل فإن العائدات ستزيد عن السابق، ما سيعظم القدرات المالية الإيرانية لتمويل اقتصادها وصناعتها الحربية وأنشطة معادية للأميركيين وحلفائهم في مناطق كثيرة من العالم. وعندما يتضح أن الحصار جاء بنتيجة عكسية فإن العدوان العسكري سيكون الخطوة التالية.
لكن لماذا تصر الولايات المتحدة ومعها إسرائيل على فرض العقوبات وهي تدرك جيدا إمكانية تطور الأمور سريعا نحو الحرب؟ عدا أن شركات النفط ستستفيد هي الأخرى من ارتفاع أسعار النفط خلال فترة العقوبات، إلا أن النتيجة النهائية التي تنشدها الولايات المتحدة هي السيطرة المباشرة على نفط إيران بعد العراق، ثم على نفط المنطقة عموما بشكل تام ونهائي، بما يلبي تأكيد هيمنة الولايات المتحدة كقطب عالمي أوحد.
هذا كل ما في الأمر. ولو أن نظام الشاه المنصاع للولايات المتحدة ظل باقيا ببرنامجه النووي المدعوم أميركيا في الأصل، وأن هذا البرنامج تطور وصولا لإنتاج القنبلة النووية، لكان من الممكن تماما تصور أن يفعل الرئيس الأميركي مع إيران نفس ما فعله مع الهند عندما زارها بعد أن أعلنت نفسها دولة نووية ووقع معها اتفاق تعاون نووي.
ولمنطق المواجهة هذا تخريجاته الأيديولوجية أيضا. كبير منظري المحافظين الجدد الأميركيين ريتشارد بيرل اعتبر أن حكومة توني بلير البريطانية وإدارة بوش الأميركية بسبب الفزع تخسران الآن الحرب العالمية التي أعلنها «الإسلام المقاتل» ضد «الحضارة اليهودية - المسيحية».
الكاتب أرنو بورتشغريف نقل في صحيفة «واشنطن تايمز» الأميركية في 25 أغسطس 2006 عن «صنداي تلغراف» البريطانية قول بيرل: «هذه الحرب كونية بمقاييسها، وتدور رحاها في كل مكان - في المدارس الدينية الباكستانية، في مساجد لندن، في الجماعات الخيرية في أميركا، في مصارف وشركات بلدان الشرق الأوسط. ومن وجهة النظر هذه يشكل انتصار حزب الله على الجيش الإسرائيلي القوي هزيمة لنا في الحرب العالمية الجديدة».
ويرى بيرل أن حرب «الإسلام المقاتل» العالمية بمكوناتها الثقافية والأيديولوجية تمول من أموال النفط «السهلة» لبلدان اعتبرناها، لزمن طويل وبغباء أبله، نظاما معتدلا وصديقا.
ممثلو حزب كاديما الإسرائيلي المتماهي في تطرفه السياسي مع الإدارة الأميركية الحالية يرددون ذات الطرح الأيديولوجي. عضو الكنيست الإسرائيلي من حزب كاديما مارينا ساروتكينا في مقابلة مع الإذاعة البريطانية الجمعة الماضية تسقط هذا الطرح على إيران تحديدا.
حسب ادعائها، إيران عدو ليس للديانة اليهودية الإسرائيلية، بل والمسيحية الغربية أيضا. كما أن إيران الشيعية عدو مذهبي لقيادات البلدان العربية الأخرى التي ترى في وجود النظام الإيراني تهديدا لها. وترى ساروتكينا بأن إسرائيل والغرب يمكن أن يجدا على هذا الأساس أصدقاء من البلدان العربية يصطفون في الجبهة العالمية المناهضة لإيران!
منطقة الخليج مهددة بالخطر فعلا. ومبعثه الآن ليس إيران بقدر ما الأزمة النووية. هل يمكن درء هذا الخطر بالانحياز للجبهة المعادية لإيران؟ ذلك ما سيضع بلداننا في دائرة الخطر بالفعل. لننتقل إلى الضفة الأخرى من إيران.
روسيا لا تجد مصالحها مع إيران في كل شيء. بل أن مصالحها في الحسابات النهائية أكبر مع الغرب والولايات المتحدة. لكنها تستند الآن إلى أن وكالة الأمم المتحدة للطاقة النووية لم تجزم بأن إيران متجهة نحو صنع القنبلة النووية. وإلى أن تثبت صحة ذلك من عدمه تستفيد روسيا أقصى الاستفادة من علاقاتها مع إيران.
فهي ماضية معها في صفقات لبناء مفاعلات نووية جديدة ولتزويدها بأسلحة اعتيادية، لكنها أكثر نوعية وثمنا من السابقة وتتراوح قيمتها حسب مختلف التقديرات بين 3 ـ 7 مليارات دولار. ويذهب بعض الساسة الروس، وإن لم يطرح ذلك في قالب رسمي، إلى أنه حتى ولو امتلكت إيران السلاح النووي فمن المستبعد أنها ستوجه يوما ما ضربة نووية لروسيا التي لا تشكل خصما.
طبيعة العلاقات بين روسيا وجارتها إيران تختلف عنها بين دول الخليج وجارتها إيران. لكن دول الخليج تستطيع الاستفادة كثيرا من النهج الذي تتبعه روسيا في تقليل الخسائر وتعظيم الفوائد من هذه العلاقات.
ذلك لن يحدث إلا إذا استطاعت هذه البلدان أن تقف، على الأقل، على بعد متساو من الولايات المتحدة وإيران في الصراع الدائر وتقرر أمر علاقاتها مع إيران بشكل مستقل. الأكثر من ذلك أن إيران دولة خليجية لا يمكن بناء أمن خليجي حقيقي دون أن تكون هي إحدى ركائزه.
وعندما ستنجح الدول الخليجية في إقامة علاقات تعاون متكافئة مع إيران والحذو حذوها بممارسة حقها المشروع في بناء قاعدة علمية تقنية متطورة وفي إقناع العالم بزيادة الحوافز لدمج إيران في النظام العالمي عبر منظمة التجارة العالمية .
وفي استمرار الحوار الحضاري معها تكون هذه الدول قد ربحت إيران وربحت نفسها لمدى بعيد. هذا برأينا ما يجب أن يركز عليه مؤتمر البحرين في التاسع من هذا الشهر بدلا من التركيز على خطر نووي إيراني، لا يزال «تصوريا» بعد.
كاتب بحريني