من التدهور الأمني المريع، إلى انتعاش الحديث عن مناطق فيدرالية في الجنوب، مروراً بإنزال العلم العراقي عن المؤسسات الرسمية في اقليم كردستان وانتهاء بتلويح وتهديد رئيس الاقليم بالانفصال، يبدو العراق وكأنه يعيش لحظات مصيرية حاسمة، وربما يكون قد دخل حقبة فاصلة.
فالتطورات خاصة السياسية تتسارع بصورة مؤرقة. تبدو وكأنها مندفعة نحو خواتم دراماتيكية، ولأنها بهذه الخطورة فقد طغى الحديث عنها على سيرة الوضع الأمني المتفاقم، بدرجة غير مسبوقة.
وما شهده يوم الأحد في أربيل وبغداد يحمل على الاعتقاد ـ أو بالأقل على التخوف ـ بأن وقوع المحظور في بلاد الرافدين، ربما باتت طبخته فوق نار حامية.
فعندما يتحدث مسعود البرزاني أمام برلمان كردستان عن عدم تردده في إعلان استقلال الاقليم «في أي دقيقة يرى البرلمان الكردي والشعب الكردي» بأن مصلحته تقضي بذلك، عندئذ يكون الانسلاخ مسألة وقت ليس إلا، خاصة وأن تلويحه هذا يأتي بعد يومين من القرار الذي أصدره ومنع بموجبه رفع العلم في الاقليم، الأمر الذي يبدو معه ان الخطوات تتابع ضمن سياق مدروس ومتكامل ومن خلال الإعلان عنها بلغة حازمة تنطوي على عزم وتصميم ثابتين.
في هذا الخصوص. وكأن القيادة الكردية وضعت الإصبع على الزناد بانتظار لحظة الضغط، واستشعار الخطر بهذه الدرجة عكسه رد رئيس الحكومة نوري المالكي والذي شدد على ان علم العراق الحالي هو «الوحيد» الذي يجب رفعه على «كل شبر» من العراق.
وهو ما استثار البرزاني بقوله انه «لا يخاف من أحد»، اذا قرر إعلان الاستقلال، كما انه يرفض «لغة التهديد»!
هذا التراشق يشير إلى انه لولا وجود نار لما كان هناك مثل هذا الدخان، ويزداد الخوف عندما يتعالى هذا الدخان فجأة، وعندما يتجاهله البيت الأبيض.
ويتجاهل حتى التحذير الذي انطوى عليه تقرير البنتاغون المرفوع الى الكونغرس، والذي يحذر من احتمال اندلاع حرب أهلية شاملة في العراق، فهل فعلاً هناك قراءتان في واشنطن للمشهد العراقي؟ ثم هل فعلاً وحقيقة جاء وزير الخارجية الأميركي السابق، جيمس بيكر إلى بغداد بتكليف من الرئيس بوش «كي يستطلع» الأوضاع ويقف على حقيقة ما يجري هناك؟
بل أكثر من ذلك، هل هي الصدفة فقط، التي جعلت اشتعال الحديث عن العلم والاستقلال في كردستان، يتزامن مع زيارة هذا الوزير المخضرم؟
أسئلة يفرضها التوقيت بقدر ما يفرضها واقع الحال على الأرض في العراق الذي بات الشغل الشاغل لإدارة الرئيس بوش.
بأية حال ومهما كانت الخلفية والنوايا، فإن وحدة العراق بات يحوم فوقها سيف التهديد، حتى لو كان البرزاني لا يضمر أكثر من التهويل، فالحديث عن موضوع حساس مثل «الاستقلال» وفي هذه اللحظة العراقية الملتهبة، وحيث صارت عبارة «الحرب الأهلية» متداولة كتعبير شائع، لا يقل عن اللعب بالنار، بالاحرى عن صب الزيت على نار، ينبغي استنفار كافة المطافيء والإطفائيات العراقية والعربية لتطويقها وإخمادها، وإلا امتدت ألسنة اللهب على امتداد ساحته وفاضت عن حدوده.