عندما أعلن الزعيم الفنزويلي الصاعد عالمياً قراره بسحب سفيره لدى إسرائيل لم يكن بالطبع يصدر عن غيرة عاطفية على القومية العربية، ولا كان ملكياً أكثر من الملك.
لقد كان هوغو شافيز ينطلق من قناعة عملية بأنه باتت هناك حاجة ماسة إلى إنشاء جبهة معارضة عالمية تتصدى للهيمنة الأميركية اليهودية. وهي هيمنة مفروضة على شعوب أميركا اللاتينية بقدر ما هي مفروضة على شعوب العالم العربي والإسلامي وأجزاء أخرى من العالم العريض.
مع ذلك يمكن القول أن شخصية شافيز توحي بأصداء ناصرية من حيث النمط الفكري التحرري.
في كتابه «فلسفة الثورة» الذي يعتبر دليله النظري الأيديولوجي عدد جمال عبدالناصر أربع دوائر قال إنها متاحة لإنشاء تحالف ثوري إقليمي ضد النفوذ الاستعماري العالمي.. وهي ـ أي الدوائر ـ الدائرة العربية والدائرة الإسلامية والدائرة الإفريقية والدائرة الآسيوية.
ورويدا خرجت الناصرية من التنظير إلى التطبيق فحرضت شعوباً عربية وإسلامية على أنظمة حاكمة موالية للغرب الاستعماري وابتدرت تحركاً عربياً ديناميكياً داخل إفريقيا السوداء لدعم زعامات إفريقية تحررية من ناحية ومناوأة التحرك الاستراتيجي الإسرائيلي في أنحاء القارة.
وعلى صعيد أعرض، تحالف عبدالناصر مع نهرو الهند وتيتو يوغسلافيا في إنشاء منظمة عدم الانحياز.
الآن يطلع على العالم ناصر جديد من أميركا اللاتينية.. ولكن مع اختلاف الظرف العالمي. فبينما كان عبدالناصر يواجه في خمسينات وستينات القرن الماضي أواخر عصر استعمار عالمي أوروبي فان التحدي الذي يواجه الآن رؤية شافيز يتمثل في استعمار أميركي مدعوم بحركة صهيونية عالمية.
لكن جوهر التحدي لم يتغير إلا شكلاً.. مما يتطلب الآن إنشاء جبهة عالمية معادية للامبراطورية الأميركية اليهودية.
كيف تتكون مثل هذه الجبهة؟
الدول والشعوب والجماعات التي تتعرض للقهر الأميركي بشتى أشكاله السياسية والاقتصادية والعسكرية كثيرة ولكن مقاومتها لهذا القهر تتفاوت. وإذن فان المهمة الأولية التي تنتظر شافيز على طريق تكوين الجبهة العالمية المنشودة هي تحديد الدول والجماعات التي يتوفر لديها استعداد مبدئي لقبول فكرة الجبهة أساساً.
في هذا الاتجاه نجح الزعيم الفنزويلي في خلق ما يمكن أن يعتبر نواة بإقامة تحالف لاتيني يجمع فنزويلا مع بوليفيا وكوبا عبر اتفاقات تعاون سياسي واقتصادي وثقافي.
إنها بداية انطلاقة لاستقطاب دول من أبرزها سوريا وإيران وماليزيا والسودان وصولاً إلى الهند والصين وروسيا وجماعات من أبرزها حركة «حماس» الفلسطينية و«حزب الله» اللبناني ومنظمات المقاومة العراقية المسلحة ومنظمات المعارضة الإسلامية في العالم العربي والإسلامي كتنظيم «الإخوان المسلمين» وتنظيم «الجماعة الإسلامية» في مصر.
هل تنجح الفكرة؟
من المبكر إصدار حكم قاطع في هذه المرحلة. لننتظر ونرى.