واحد من أهم الكتب التي نشرها المجلس الوطني للثقافة في الكويت في سنوات سابقة،كتاب اقترحه المفكر الدكتور فؤاد زكريا، يتحدث الكتاب عن التفكير السليم والتفكير الأعوج في حياة الشعوب،أهم ما جاء في الكتاب أن التفكير الأعوج قد يتبدى للبعض في وقت ما انه سليم ومنطقي، يضر ب الكتاب أمثلة على التفكير السياسي الأعوج الذي بدا سليما للكافة في وقته، كان التفكير الفاشي والنازي، الذي تبنته الكثير من الشعوب مباشرة أو مداورة.

و ذلك في سنوات ما قبل الحرب العالمية الأولى، ومن أهم أشكال التفكير الأعوج، التفكير المؤقت الحماسي ذو الرؤية القصيرة،والذي يبدو أن كثيرا من العرب قد ابتلوا به.

يبدو أن التفكير السليم والأعوج مازال ظاهرا بيننا في الثقافة العربية، فقط للتذكير، هل يذكر بعضنا الحملة الضخمة التي حدثت بعد نشر رسوم كاريكاتورية في إحدى صحف بلاد الشمال الأوروبي، حول رسولنا الكريم، وقتها قامت الدنيا وخرجت المظاهرات وتلاسن الجميع على صفحات الصحف وفي الإعلام المرئي، وفجأة انخفضت حرارة الحملة وتلاشت، وكأنها لم تكن.

حملة أخرى ضخمة اندلعت قبل ذلك حول حرق المسجد الأقصى،وقامت مظاهرات وتبارت دول كثيرة لإعادة بنائه، بل وشُكل لذلك لجنة على مستوى القمة العربية،هي لجنة المسجد الأقصى، ثم انتهى الأمر دون نتيجة.. وهل يتذكر احد نصرة الانتفاضة الفلسطينية، التي شُكلت لها لجان وجمعت لها تبرعات ثم ماتت الفكرة فجأة كما قامت. هل يسمع احد عن تلك اللجنة اليوم !!

ويستطيع المراقب أن يذكر الكثير من الأحداث التي مرت خلال ربع القرن الأخير علينا نحن العرب. انه الفرق بين التفكير طويل المدى ذي الأهداف الواضحة والتفكير العاطفي الفوري!!

من آخرها طبعا أحداث لبنان،وقد فوجئ كثيرون بتصريحات السيد حسن نصر الله الأخيرة التي قال فيها ما معناه، انه لو قدر أن تكون ردة فعل إسرائيل كما حدثت بالفعل لما قام بما قام به.

لن ادخل في تفسير النيات أو اصطياد الكلمات، فالموضوع اكبر وأكثر أهمية من التفسير أو الاصطياد أو حتى من طرح سؤال من كان على حق أو من كان على باطل؟، أو خدعته المظاهر. إلا أن البدء بالقول انه قول شجاع يصدر من رجل لا يتعاطى السياسة بمعناها السلبي، بل بمعناها الايجابي. ولكن الحروب الحديثة لا تفرق بين الجبهة وبين العمق، تلك بديهية يعرفها من خاض حروب التحرير من الجزائر إلى فيتنام.

إلا أن القضية ليست هنا، القضية في طٌرق التفكير أو حتى أكون دقيقا أكثر، فقد كتب احد الكتاب في جريدة القدس اللندنية مقالا مطولا (يدغدغ المشاعر بالطبع، ولا يقدم تفكيرا سليما) كتب ما نصه (أن حرب إسرائيل على لبنان.. لحرمان سوريا وإيران من ذراع عسكرية قوية..) استعنت بفكر الكاتب لأنه من المتحمسين الكبار، للتدليل على أن بعض التفكير الأعوج بين ظهرانينا ما زال قائما ومروجا له. فالقول إن حزب الله هو ذراع عسكرية قوية لسوريا ولبنان يصب في غير صالح الثلاثة، لا حزب الله،ولا سوريا ولا إيران.

إلا أن الإشكالية لا تتوقف هنا، فأن المقاومة التي أبداها حزب الله لا احد ينكر أنها مقاومة بطولية، إلا أن الحرب، أية حرب لها ذراعان، الحرب والسياسة. كون حزب الله حزبا وليس دولة فهو لا يستطيع أن يستفيد سياسيا من كل هذه الممانعة.

فالحرب ضئيلة الفرص وهدفها دائما سياسي، كون حزب الله حزبا في دولة ضعيفة هي لبنان،فهو حزب ليس له ذراع سياسية مقبول دوليا، و لا تستطيع الدولة اللبنانية أيضا أن تستفيد من هكذا حرب، للأسباب المعروفة المحيطة بالدولة اللبنانية.

أيضا لا سوريا ولا إيران استطاعت أن تستفيد سياسيا من هذه الحرب،حتى الساعة على الأقل. لأسباب خاصة بتركيبة التفكير السياسي الحالي،في كل من دمشق وطهران. فلا جبهة الجولان تحركت سياسيا،ولا الملف النووي الإيراني وجد له متنفسا دوليا، لقد بدا الملف في آخر شهر أغسطس كما كان في الحادي عشر من يوليو، قبل اختطاف الجنديين الإسرائيليين! مكانك راوح.

الحرب الضخمة التي استخدمت فيها إسرائيل كل قدرتها العسكرية وخربت لبنان وأرجعته إلى ربع قرن مضى على الأقل،وأزهقت أرواح أكثر من ألف لبناني بعضهم نساء وأطفال،بدأت وكأنها (حرب عبثية) في التحليل العقلاني النهائي في موازين الخسارة والربح.

هذا لا يعني أن إسرائيل لا تقوم بأفدح الأعمال غير الإنسانية ضد الفلسطينيين،وهذا لا يعني أن الظلم الفادح الذي يقع عليهم كل مطلع شمس ومغربها غير مستهجن،وهذا لا يعني تجاهل آلاف المعتقلين الفلسطينيين، كل هذا قائم حتى الأسلحة التي استخدمت في الحرب الأخيرة على لبنان هي أسلحة بعضها محرم دوليا للاستخدام ضد المدنيين، هذا شيء والاستفادة السياسية شيء آخر.

إذن هناك كفتان،كفة العدوان،وكفة المقاومة للعدوان. مذابتان في فضاء عالمي يحارب الإرهاب ويدعو إلى الديمقراطية.

كفة المقاومة للعدوان هي إنشاء دولة فلسطينية قابلة للعيش في أراضي الضفة والقطاع،وانسحاب إسرائيلي من الجولان السورية (بعد أن تم تطبيع العلاقات المصرية، الأردنية، الإسرائيلية).

إذا كانت هاتان الكفتان هما المعادلة المعروضة أمام التفكير السليم في إطار فضائهما الذي وصفناه، فإنها تحتاج إلى تفكير سليم مقابل لها يتوخى الاستفادة السياسية القصوى من القوة النسبية لتغليب المقاومة بمعناها الشامل على العدوان بمعناه الشامل.

أين الدور اللبناني، التفكير السليم يرى أن الدور اللبناني هو في القيام بتقديم البديل،وهو الإصرار على قيام لبنان تعددي، يفشل النظرية الإسرائيلية، في التفرد (اليهودي) البحت وقصر الدولة العبرية على ديانة واحدة !! فهناك في لبنان طوائف عرقية ومذهبية ودينية مختلفة. كما أن قيام لبنان ديمقراطي، يعني الابتعاد عن الدعوى الإرهابية، فجميع الملفات المختلف عليها وطنيا، تحل من خلال مؤسسات منتخبة.

هذا هو الدور اللبناني المراد بجناحيه. الأمر إذن أن يفكر حزب الله بتقديم نتائج الحرب إلى مشروع الدولة اللبنانية للقيام بذلك الدور، تحت مظلة الغطاء العربي الفاعل، من اجل أن تجري الاستفادة القصوى من هذه الممانعة في المجال الدولي على ارض الثلاثة والثلاثين يوما من المقاومة والتضحيات الجسام.، بدلا من إرهاق لبنان بحرب تحت شعار حرب (الإرهاب) المذموم دوليا ، وبعثرة الممانعة اللبنانية سدى!!

غير هذا الطريق سيدخلنا جميعا في طريق التفكير الأعوج، العاطفي، الذي يقود في النهاية إلى تقديم أوراق كثيرة لإسرائيل،ويحرمنا جميعا من التفكير السليم،وتصبح تضحيات الثلاثة والثلاثين يوما مثل صيحة الكاريكاتير،أو تعضيد الانتفاضة، أو غيرها ممن مر بنا جميعها صيحة في واد خرب..هي فقط هًبة مُضريه، لا تترك إلا الغبار في الجو، والمرارة في الحلوق وهي بالتأكيد تفكير أعوج؟

كاتب كويتي