ما مرد هذا اللغط السياسي، الذي تمارسه رموز السلطة الفلسطينية وحركة فتح على حد سواء، فتارة يريدون تبني وثيقة الحركة الفلسطينية الأسيرة وأخرى يهددون بتجميدها ومن ثم يخلصون إلى تبني فكرة قيام حكومة وحدة وطنية مع حركة حماس، التي دعتهم إلى ذلك قبل أن تخرج التشكيلة الحالية للحكومة الحمساوية إلى النور.
صحيح أن المشهد الفلسطيني الحالي يقوم أساسا على عناصر ثلاثة كارثية الشكل والمضمون تتكالب على المواطن الفلسطيني وتجعل حياته جحيما متمثلة بالانقسامات الحزبية والحركية الداخلية والحصار الدولي الإنتقائي، والاحتلال العسكري الغاشم، إلا أن الخطوة الأولى التي يتعين على الشعب الفلسطيني أن يخطوها للخروج من هذا المأزق التاريخي، إنما تتمثل في الوقوف على حقيقة القيادة التي يفترض أنها تمثل مصالحه وتطلعاته الوطنية والحياتية.
لا يمكن لمسيرة الشعب الفلسطيني الوطنية من المضي قدما من دون الحصول على أجوبة شافية حول العديد من الأسئلة الكبرى المتعلقة بالدوافع الحقيقية، التي تحرك قادة السلطة الفلسطينية وتجعلهم غير آبهين بمشاعر أبناء القضية الفلسطينية التي طال أمد حلها، وبتاريخ رموز هذه السلطة الواهية الحافل بصور قاتمة تعج بالأمثلة المثيرة للجدل والأسئلة المحورية، التي ترقى في غالب الأحيان إلى درجة الشك في وطنية بعضهم، بينما تضع آخرين منهم في مصاف السماسرة في أحسن الأحوال.
ولا تقتصر التوجهات والممارسات الانحرافية لرموز السلطة التاريخيين على الممارسات العملية والأمثلة الملموسة فحسب، وإنما تطال بعض المفاهيم النظرية خطيرة المحتوى، مثل استخدام عبارة وقف دورة العنف بين الأطراف المتصارعة أو العمل على العودة إلى طاولة المفاوضات بينها، الأمر الذي يوحي بأن هناك أطرافا متصارعة متكافئة القوة مثلما يرفع صفة العدوان عن ما تمارسه قوات الاحتلال الصهيوني من جرائم حرب بحق أبناء الشعب الفلسطيني الأعزل في الضفة الغربية وقطاع غزة، فضلا عن الإيحاء بأن هناك من يجنح للسلم ويرغب بالسلام ولا ينقصه سوى طاولة خشبية للتفاوض عليها والخروج بحل يرضي الجميع.
حتى أن ما يسمى بالجهود والتحركات السياسية لرموز السلطة الفلسطينية ورئيسها إنما تصب جميعا في خانة تبرئة المحتل من الدم الفلسطيني النازف بلا هوادة، فضلا عن تجميل وجهه القبيح ووجه من يشد على يده في البيت الأبيض الأميركي.
بات في حكم المؤكد أن رموز السلطة الفلسطينية قد كذبوا كعادتهم حين راحوا يتبجحون بأنهم احترموا عملية الانتخابات التشريعية الفلسطينية وسلموا بنتائجها، التي جلبت حركة حماس إلى سدة الحكم في الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة.
وأصبح واضحا أمام القاصي والداني أنهم لم يتخذوا قرار تسليم زمام الحكومة الفلسطينية لمن أهلته الانتخابات التشريعية لذلك أصلاً، فهم لا يوفرون فرصة للانقضاض على كل ما هو قريب أو بعيد من المؤسسات المنضوية تحت راية الحكومة، التي شكلتها حماس إثر فوزها الكاسح بتلك الانتخابات، التي يشهد على نزاهتها العدو قبل الصديق.
ولقد جاء قرار رئيس السلطة بتعيين فاروق القدومي وزيرا لخارجية فلسطين، على سبيل المثال لا الحصر، ليشكل حلقة جديدة في سلسلة محاولات لها أول وليس لها آخر يصب جميعها في هدف واحد يتمثل بعدم التخلي عن هذه الحكومة الهشة لأي فصيل فلسطيني آخر مهما كان الثمن.
وبالمناسبة، فإن نزاعاً فتحاوياً داخلياً قد دار منذ بضع سنوات على منصب وزير الخارجية الفلسطيني الذي أنتزع انتزاعا من الأخ أبو اللطف وسلم على طبق من ذهب لسفير فلسطين السابق لدى الأمم المتحدة ناصر القدوة، وها هو ينتزع مرة أخرى من الأخ محمود الزهار ليعاد تسليمه للرجل الذي لا أحد يشك بأهليته لهذا المنصب والذي شغله عشرات السنين، لكن المسألة اختلفت هذه المرة، فهناك عملية ديمقراطية أنجبت حكومة محددة يجب احترام خياراتها وتوجهاتها وإعطائها الفرصة التشريعية، التي استحقت.
أعمال من هذا النوع لا يمكن وصفها إلا بالقرصنة السياسية، التي يجب التوقف عن ممارستها خدمة للقضية المقدسة التي ندعي بأننا نمثلها والتي من واجبها علينا أن نضع جميع الخلافات الحركية جانبا وأن نوسع نظرتنا السياسية لتسع مساحة الوطن كله.