مازالت غالبية وسائل الإعلام العربية تطبل لنصر لم يتحقق، تريد أن تقنع الجماهير أن حزب الله انتصر في حرب لبنان وهز قوة الجيش الذي لا يقهر، تريد وسائل الإعلام العربية أن نكذب الواقع المرير ونصدق الأوهام الزائفة.

لبنان دمرت وحكومتها تناشد العالم مساعدتها في إعادة التعمير وبناء ما خرب جراء القصف الإسرائيلي لبنيتها التحتية بينما إعلام حزب الله وبقية الجوقة العربية تعزف لحن الانتصار المجيد!

يعيش العرب وضعاً مأساوياً حقاً يتم فيه تزييف الوعي حتى لا يكاد الناس يستطيعون التمييز بين الحقيقة والوهم وتنقلب فيه المفاهيم إلى أضدادها، لقد أصبح الإرهاب جهاداً وتفجير النفس استشهاداً والهزيمة نصراً.

وحدهم العرب يعيشون مثل هذا الوضع الاستثنائي إذ لم نجد على مر التاريخ شعباً أو أمة ظنت أنها حققت نصراً وسط الدمار الشامل وآلاف القتلى والجرحى والخراب الذي طال مرافقها الحيوية ومنشآتها الاقتصادية غير تهجير ما يزيد على تسعمئة ألف مواطن من مدنهم وقراهم إلا من باب خداع الذات والتمني الكاذب. إذا كان هذا انتصاراً فما هي الهزيمة؟!

يقول د. إبراهيم عرفات في مقالته في الراية القطرية 20/8/2006 «لعل الخلط الجاري في الشارع العربي بين الصمود والنصر يكشف عن تواضع جم في المقاييس العربية لمعنى النجاح، فمنذ نكسة 1967 والاتجاه العام في المنطقة يعتبر أن مجرد عدم الخسارة أمام إسرائيل أو الوقوف في وجهها لأطول فترة ممكنة هو النصر بعينه».

ويتساءل عن أسباب ذلك ويجيب «وهو اتجاه تولد من الإحساس المزمن لدى المواطن العربي بالعجز عن الانجاز وإخفاق بلدانه في اللحاق بركب الأمم المتقدمة»، ولماذا نذهب بعيداً إذا كان كبار مفكرينا والصفوة فينا أقنعونا بأن كل الهزائم والنكبات التي ابتلينا بها على امتداد أكثر من نصف قرن ما هي إلا مجرد كبوات أو نكسات!

ولعلنا نتذكر انه في أعقاب هزيمة 1967 والتي دمرت فيها أسلحة الجيش المصري تدميراً شاملاً وبقية الجيوش العربية المشاركة أن تفتقت العبقرية العربية لتسمي الهزيمة (نكسة) لأن النظام الناصري لم يسقط وعبدالناصر بقي حياً وهذا هو المهم.

الآن ماأهداف من يروجون لنصر موهوم لم يتحقق وسط هذا الخراب الشامل؟! أولاً: التغطية على القرار الخاطئ الذي اتخذه حزب الله بأسره للجنديين الإسرائيليين، وثانيا: إفلات حزب الله من المحاسبة رغم مسؤوليته الثقيلة عن الدمار الذي حل بلبنان.

الكل يعرف أن حزب الله اتخذ قراراً متسرعاً لم يستشر فيه حكومته الذي هو مشارك فيها ثم عاند وكابر ورفض تسليم الجنديين رغم الويلات وآلام اللبنانيين على امتداد خمسة أسابيع.

في إسرائيل ترتفع الأصوات مطالبة بإقالة أولمرت وبيرتس وحالوتس ومحاسبة المسؤولين لأنهم لم يحققوا النصر الكامل ولم يستطيعوا القضاء على حزب الله، رغم أنهم أضعفوه كثيراً ودمروا 90% من صواريخه بعيدة المدى، وخربوا البنية التحتية للبنان وقتلوا أكثر من ألف لبناني مدني وعسكري، بينما الساحة العربية تحتفل بانتصار حزب الله.

سيظل العرب يعيشون في أوهامهم وأمنياتهم بعيداً عن الواقع ما دام قرار الحرب والسلام بيد رجل واحد ينفرد بالقرار ولا أحد يستطيع مراجعته أو محاسبته، عبدالناصر اتخذ قرار الحرب في السويس وفي 1967 منفرداً وجر الخراب على بلاده وهزم هزيمة نكراء ومضى ولم يحاسبه أحد بل هناك أنصار كثر يمجدونه، وصدام حارب إيران واحتل الكويت بقرار منفرد ولم يحاسبه أحد حتى الآن رغم سقوطه المشين بل ما زال أنصاره يعتبرونه القائد الضرورة.

والسيد حسن نصرالله قرر خطف الجنديين الإسرائيليين وجر لبنان إلى معركة خاسرة بقرار منفرد ولم يحاسبه أحد بل لا يجرؤ أحد أن يحاسبه رغم اعترافه بخطئه حينما قال «لو علمنا أن عملية أسر الجنديين كانت ستقود إلى هذه النتيجة لما قمنا بها»، وهي عملية نقد ذاتي شجاعة لكنها استثنائية في دنيا العرب التي اعتادت على عدم الاعتراف بالخطأ.

لكن المهم الآن ما هي استحقاقات هذا الاعتراف بالخطأ؟ هل هناك من يجرؤ على المحاسبة وقد أصبح حزب الله دولة أقوى من الدولة وسلطة فوق السلطة الشرعية؟ هذه هي المعضلة.

شجاعة نصرالله محسوبة ولا أحد يستطيع أن يقول له: لماذا فعلت ما فعلت؟ ولا أحد يستطيع أن يمنعه مستقبلاً أن يتخذ مثل تلك القرارات المأساوية وسيظل لبنان رهينة تلك القرارات الفردية حتى يتعلم الدرس جيداً وحتى تصبح حكومته الشرعية حكومة تملك قرارها وأمرها مثل بقية الحكومات.