اشتهرت منطقة الشرق الأوسط بكثرة الحروب العسكرية وبانتشار العنف المرعب والذي أدى إلى كثرة تدفق شلالات الدماء البشرية في معظم بلدان الشرق الأوسط. عندما تستشري النار في الهشيم اليابس بسرعة فهذا أمرٌ عادي وطبيعي، أما أن ينتشر العنف بشكلٍ سريع وشبه يومي في بعض البلدان المنكوبة فهذا يستدعي وقفة للتأمل في غرابة هذا الأمر!!

فإذا نظرنا إلى خريطة الشرق الأوسط من منظور جغرافي باحثين عن البلدان التي ينتشر فيها العنف بصورةٍ مخيفة فإنا ندرك أن هنالك عدة نماذج مأساوية يمكن أخذها على سبيل المثال لا الحصر فمنطقة الشرق الأوسط شكلت من دون مبالغة بؤرة تجمع مركز وكثيف لحلقات مسلسل ممارسات العنف.

وعليه يمكننا القول من خلال الملاحظة إن هذه البلدان تبدأ من فلسطين المحتلة ومن ثم أفغانستان مروراً بالعراق وحديثاً بلبنان. هذه البلدان يمكن أن نصفها (إذا جاز التعبير) بأنها بلدان عصفت بها دوامات عنف رهيبة سببها أعاصير تحمل في طياتها سياسة الرعب التي تنتهجها بعض الدول والقوى المستعمرة وعلى رأس قائمة هذه الدول إسرائيل.

ودوامات العنف هذه عانت منها كثيرٌ من الشعوب البريئة، وراح ضحيتها كثيرٌ من الضحايا والقتلى والجرحى. وتعصف هذه الدوامات في فلسطين منذ العام 1948 أي قرابة أكثر من نصف قرن من الاحتلال الإسرائيلي الذي يبث العنف بشتى صوره وأشكاله البشعة في نفوس أبناء الشعب الفلسطيني والذي تجسد بلا شك في الممارسات الوحشية تجاه السكان الأصليين للأرض المغتصبة.

فالمقابر قد امتلأت بشواهد قبور الشهداء من الأطفال والشيوخ والنساء ولم يسلم أي فرد فلسطيني من العنف الإسرائيلي الذي لا يميز بين الكبير والصغير، وبات الإسرائيلي يتجول في فلسطين العربية يميناً وشمالاً حاملاً في جعبته سموم العنف الذي اشتهرت بها المذابح الإسرائيلية والاغتيالات الشارونية للفلسطينيين.

فلا مجال لتبرئة إسرائيل من فعلتها في زيادة استعار نار العنف في فلسطين فالعنف متجسد في قتلها للأفراد ومتمثل في جدارها العنصري العازل وفي وصفها الفلسطينيين بأنهم إرهابيون وهم يقومون بعمل أي شعبٍ شريف أبى أن يرى وطنه تحت وطأة الاحتلال الغاشم وسارع إلى مقاومته.

وقد ترجمت مشاهد العنف والإرهاب الاستعماري بصورةٍ واضحة للعيان على يد الغازي والمحتل تجاه الإنسان العربي الذي عانى وما زال للأسف يعاني من ويلات الظلم والقهر والاستبداد القادم من المحتل الأجنبي وهو في ربوع وطنه.

ولا تختلف أزمة العنف في العراق العريق مهد حضارة بلاد الرافدين، فالأمر لا يختلف عن أزمة العنف في فلسطين، هذا إذا لم تكن الأزمة هنا أكثر سوءاً. تكمن خطورة الكارثة في العراق أنه بعد دخول الاحتلال الأميركي - الانجليزي إلى أراضي العراق الذي لم يدخل مدججاً بالعتاد والأسلحة المتطورة فقط بل دخل ومعه عقار سم العنف بل أخبث أنواعه، إنه العنف الطائفي القائم على تأجيج نار الكراهية بإثارة القلاقل والفتن بين الطوائف والمذاهب الدينية أو حتى بين الفئات العرقية المختلفة في المجتمع العراقي، الأمر الذي من شأنه أن يشعل فتيل حرب شرسة تدق طبولها وتروج لحرب أهلية طائفية بين أفراد شعب العراق الواحد وهذا أمرٌ أتمنى أن يقي الله العراق وشعبه شره ويبعد عنه نار هذه الحرب الشعواء.

فلا يمر يوم من بعد وقوع العراق تحت نير الاحتلال يخلو من نشر خبر يحمل في طياته تفجيراً في إحدى المحافظات العراقية أو لأحد دور العبادة مخلفاً وراءه القتيل والجريح ويخفى على الملأ من الفاعل، وتصبح الفعلة عمل شخص مجهول، هذه الأفعال التخريبية المعتمدة بالدرجة الأولى على زرع العنف الطائفي بين العراقيين ترمي بالأساس إلى زرع الكره في نفوس العراقيين تجاه إخوتهم العراقيين وهذا بحد ذاته مسألة خطيرة يسعى إليها كل مستعمر كي يحقق ما يخطط له بكل سهولة دون أي عناء.

فالزيادة غير الطبيعية في حدة وتيرة العنف في العراق تقف عائقاً أمام أي أعمال أخرى ينوي العراقيون إنجازها. فهناك الكثير الكثير من الأعمال التي يجب على العراقيين عملها لتساعدهم على تخطي محنتهم هذه مثل: الاستقرار السياسي والوحدة والاندماج بين أفراد الشعب العراقي والالتفات إلى توفير الأمن والاستقرار والنظر في قضايا مهمة مثل:

التنمية وإعادة إعمار العراق من جديد،... هذا بعض ما يحتاج إليه العراقيون كي يستطيع العراق الوقوف على قدميه من جديد وليس النعرة الطائفية التي تقسم وتفتت تماسك الصف العراقي، فلا بد لدوامات العنف أن تنجلي عن سماء العراق وهذا يتحقق على يد الشعب العراقي بأن يقف وقفة الرجل الواحد في وجه هذا الإعصار القادم من الجحيم بشرارات العنف السامة.

وقبل فترةٍ قريبة وجه الكيان الصهيوني مسار إعصار العنف القادم بعدوانيته البربرية بقوة نحو لبنان الحبيب من أجل زرع دوامة أخرى من دوامات العنف في بلاد الأرز، فالكيان الإسرائيلي بات يمثل منبع العنف والرعب، ويبث أطروحاته فكراً وممارسة من خلال إرسال سفراء ورسل العنف والدمار إلى شعوب بريئة لم يكن لها ذنب في يومٍ من الأيام إلا أنها شعوب محبة للسلام.

فلم يهدأ لإسرائيل بال، ولم تقر لها عين إلا عندما أرسلت مبعوثها المتمثل في جيشها الأسطوري العرمرم إلى الجنوب اللبناني كي يعيث في الأرض قتلاً ودماراً وفساداً، لكن البعبع الإسرائيلي بترسانته العسكرية الضخمة تفاجأ بوجود مقاومة لبنانية وطنية واقفة له بالمرصاد.

إن تفشي ظاهرة العنف وقيام البعض بممارسته بأبشع الصور التي يمكن لعقلٍ أن يتخيلها يجعل من العنف أداة فعالة لبث الرعب ونشر الكراهية في نفوس البشر الأمر الذي سيؤدي إلى مضاعفات خطيرة قد لا يعيها أحد الآن لكنها قد تظهر في الأجيال القادمة التي رأت العنف بأشكاله منذ نعومة أظفارها.

إن أي شكلٍ من أشكال الدمار القائم في أي منطقةٍ في الشرق الأوسط، وتعرض الناس للويلات والظلم في سجون الاحتلال في فلسطين والعراق ما هو إلا نمط من أنماط استخدام العنف وإشاعته وهو يرمز بالدرجة الأولى إلى إرهاب البشر.

وفي هذه الحال فإن وصول العنف وتأججه في الشرق الأوسط إلى أعلى ذروته وتدفقه السريع في المنطقة سيؤدي بمرور الزمن إذا لم يتم كبح جماحه إلى مأساة بشرية محتقنة وأزمة ما بعدها أزمة.

كما ان الاستخدام المفرط للعنف وتوظيفه لتحقيق المصالح الاستعمارية يعكس وجود جذور أيديولوجية عنصرية تجاه الإنسان صاحب الحق في الأرض تجسد كل معاني الكره والعدوانية. ونلاحظ أيضاً أن مع وجود انتشار العنف بهذه الصورة بدأت قيمة الإنسان ترخص، ويحط من قدرها، ويستهان بها، وبدأ كيانه ومقامه يهتز كما أن دماءه باتت رخيصة بل لا ثمن لها.

من أين يستمد العنف وقوده؟ يستمد العنف كل هذه القوة وجبروته من خلال سياسات بعض القوى العالمية الكبرى وبعض الأطراف الأخرى التي تدعم مسيرة العنف في الشرق الأوسط وفقاً لخدمة مصالحها في المنطقة وبالتالي فإن الشعوب البريئة تذهب وقوداً وحطباً لنار العنف التي تأكل الأخضر واليابس.

إن تفشي العنف وتعزيز الظلم في نفوس البشر سيقود منطقة الشرق الأوسط إلى الدخول في سلسلة متشابكة من الأحداث المؤلمة وتساهم في تدفق شلالات من دماء الشعوب والأبرياء. ويلاحظ أن كلاً من العراق وفلسطين هما من أكثر مناطق الشرق الأوسط تعرضاً لنوبات العنف الدامي.

لن تنقشع غيوم العنف السوداء عن سماء الشرق الأوسط، ولن ينعم بالهدوء والاستقرار سواء أكان كبيراً أو جديداً أو قديماً حتى تعود الحقوق الأصلية لأصحابها وتعود المياه إلى مجاريها ويعود الفلسطينيون إلى أرضهم.

جامعة الإمارات قسم العلوم السياسية

ali_alahbabi@hotmail.com